وِتْرٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ سِوَى الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا زَالَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ فَلَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ؛ فَتُلَخَّصُ فِي أَنَّ الْقُنُوتَ خَمْسُ مُسْتَحَبَّاتٍ: كَوْنُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَكَوْنُهُ سِرًّا وَكَوْنُهُ فِي الصُّبْحِ وَمُطْلَقٌ مُسْتَحَبٌّ وَكَوْنُهُ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ الْآتِي. قَالَ خَلِيلٌ:"وَقُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحِ فَقَطْ قَبْلَ الرُّكُوعِ"وَلَفْظُهُ اهـ (6) .
ثانيًا: في الحديث دليل على مشروعية القنوت عند النَّوَازِل ويسمى هذا القُنُوتُ عند أهل العلم قُنُوتِ الحاجة أو قُنُوتِ النَّوَازِل. ويُسْتَعْمَلُ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، ولفترة محدودة عندما ينزل بالمسلمين مكروه من مرض أو خوف أو هزيمة أو عدوان عليهم، لقول أنس"فَقَنَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِم". وفي رواية أخرى للبخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"قَنَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ".
قَالَ فِي"المجموع":"وَأَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ مِنْ الْفَرَائِضِ فَلَا يُقْنَتُ فيه من غير حاجة و (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ الَّذِي قطع به الجمهور إنْ نَزَلَتْ بالمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ كَخَوْفٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ وَإِلَّا فَلَا"اهـ (7) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَتِمَّةٌ وَتَكْمِلَةٌ:
اتَّفَقَ الأئِمَةُ الأَرْبَعَةُ على وُجُودِ دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ للقُنُوتِ، واختلفوا فِي هذا الدُّعاء، فاختار الشَّافِعِيَّة والحنابلة ما رواه الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ عَلَّمَهُ كَلِمَاتِ القُنُوتِ أَنْ يَقُولَ:"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيتَ"رَوَاهُ أحْمَدُ وأصْحَابُ السُّنَنِ (8) .
واختار المالكية والحنفية ما روي عن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو:"اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنَخْضَعُ لَكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ"، رواه البُخَارِيُّ والبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًَا على عُمَرَ بألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأخرج سحنون عن عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أنَّ عليًّا قَنَتَ فِي الفَجْرِ به.
قال فِي"الفواكه الدَّواني":" (وَالْقُنُوتُ) لُغَةً الطَّاعَةُ وَالسُّكُوتُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ مَالِكٌ:"لَيْسَ فِي الْقُنُوتِ الْفَجْر؛ قَالَ:"لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى نَسْخه فِي الْمَغْرِب فَيَكُونُ فِي الصُّبْح كَذَلِكَ"، وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي الصُّبْح ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ تَرَكَ أَمْ لَا فَيُتَمَسَّكُ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ". قَالَ اِبْن الْقَيِّم:"صَحَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُدُعَاءٌ مَخْصُوصٌ بَلْ الْمَقْصُودُ مُطْلَقُ دُعَاءٍ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ خُصُوصُ هَذَا: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ .. إلخ) "اهـ."