فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 2668

عشرَة إِلَى أَن مَاتَ الْأَرْبَعَاء لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَدُفِنَ لَيْلًا؛ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة. وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَعشرَة أَيَّام"اهـ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ:"تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلَيْهِ سِتَّةُ آلَافٍ كَانَ أَخَذَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَدَعْنِي حَتَّى أَصَبْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِنَّ حَائِطِيَ الَّذِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فِيهَا» ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَدَعَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ مَقَالًا، وَأَنَا وَالِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ» .

الحديث: أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَلَمْ يُخْرِجُهُ أبُو دَاوُد.

معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّه سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُعَلِّمَهُ دُعَاءً يدعو به بَعْدَ التَشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَقَبْلَ السَّلامِ، ويُواظِبَ عليه فِي آخِرِ صَلاتِهِ، فَعَلَّمَهُ هذا الدُّعَاءِ:"قال:"قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا"باقتراف الخطايا، لأَنَّ اقْتِرَافَهَا ظُلْمٌ للنَّفْسِ، وَجِنايَةٌ عليها، لما فيه من تَعْرِيضِهَا للعقوبة فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، كما قال تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وَفِي الأثَرِ"لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ (1) ؛"وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"أيْ ولا يَسْتُرُ الذُّنُوبَ ولا يعفو عنها ويُسْقِطُ العقوبة عن فاعلها، ويصونه عن النَّارِ إلا أنْتَ وَحْدَكَ،"فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ"أي فاغفر لي مغفرة تليق بِكَرَمِكَ وَجُوُدِكَ على قَدْرِ رَحْمَتِكَ الوَاسِعَةِ، وعفوك الذي لا يُحَدُّ،"وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ"أيْ فإذا طمعْتُ فِي عفوك وغفرانك فأنْتَ واسع المغفرة والرَّحمة، فكيف لا أطمعُ فيك وقد وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: اسْتِحْبَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ التَشَهُّدِ الأَخِيرِ قبل السَّلام، واختيار الدَّعَوَات المأثورة، لأنَّها أفضل وأعظم نفعًا من سواها، فلم يأمرنا بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلاّ لما فيها من الخير الكثير، وإنْ كانَ الدُّعَاءُ مشروعًا بأي صيغة إلا أنَّها أفضل.

ثانيًا: أنَّ الاعْتِرَافَ بالخطايا والشُّعُورَ بالنَّقْصِ، هو عَيْنُ الكَمَالِ ولذلك عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّدِّيقَ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ"اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا".

والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يدعو بِهَذَا الدُّعَاءِ قبل السَّلامِ.

(1) قال الحافظ في"الفتح""2/ 397":"وقد بيَّن الزبير بن بكار في"الأنساب"صفة ما دعا به الْعَبَّاس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أنَّ الْعَبَّاس لما استسقى به عمر، قال: اللَّهُمَ إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ"أورده في صحيح ابن حبان محققًا ج 7 ص 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت