«زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ» (1) . وذكره ابن شاهين، وابن حبَّان، وابن خلفون فِي «جُمْلة الثِّقات» . وخرَّج البستي حديثه في «صحيحه» .
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا مسلم وأبو داود والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أنَّ أبَا بَكْرَةَ جَاءَ والنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكِعٌ فَخَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةَ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفّ، فَأَخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما فعل، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا"أيْ رَغْبَةً فِي صَلاةِ الجَمَاعَةِ واجتهادًا في الحصول عليها؛"وَلاَ تَعُدْ"إلى الرُّكُوعِ قبل الصَّفِ.
قال الحافظ فِي"الفتح":"قَالَ بن الْمُنِيرِ صَوَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَ أَبِي بَكْرَةَ مِنَ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ الْحِرْصُ عَلَى إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَخَطَّأَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ قَوْلُهُ وَلَا تَعُدْ أَيْ إِلَى مَا صَنَعْتَ مِنَ السَّعْيِ الشَّدِيدِ ثُمَّ الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مِنَ الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ وَقَدْ وَرَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صَرِيحًا فِي طُرُقِ حَدِيثِهِ"اهـ (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: النَّهْيُّ عن الرُّكوع دون الصَّفِ وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة. وقال مالك والليث: لا بأس إنْ كَانَ قَرِيبًَا. قال فِي"مواهب الجليل":"اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ إذَا تَمَادَى إلَى الصَّفِّ وَظَنَّ أَنَّهُ إذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ يُدْرِكُهَا وَيُدْرِكُ الصَّفَّ بِالدَّبِّ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عَنْ مَالِكٍ:"
الْأَوَّلُ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَة أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَيَدِبُّ إلَى الصَّفِّ.
الثَّانِي: رَوَاهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ.
الثَّالِثِ: رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ أَوْ يَقْرَبَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الصَّفَّ فِي دَبِّهِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ، وَأَنَّهُ يُدْرِكُهُ بَعْدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ: فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ؛ إذَا رَفَعَ بَلْ يَتَمَادَى إلَى الصَّفِّ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ. فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَلَا يَمْشِي إلَى الصَّفِّ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، حَتَّى يُتِمَّ الرَّكْعَةَ وَيَقُومَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَة: يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ. وَصَوَّبَ أَبُو إِسْحَاقَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الصَّفَّ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَا يُكَبِّرُ"اهـ (3) ."
ثانيًا: النَّهْيِّ عن صَلاةِ الرَّجُلِ مُنْفَرِدًَا خلف الصَّفِّ، واختلفوا فِي هذا النَّهْيِّ، فَحَمَلَهُ أحْمَدُ وإسْحَاقُ على التَّحْرِيمِ وأنَّه يقتضي فَسَادَ الصَّلاةِ، فَمَنَ صَلَّى وحده ركعة كاملة أثم وفَسَدَتْ صَلاتُه، وحمله الجُمهورُ على الكَرَاهَةِ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمره بالإعادة، قال النووي فِي"المجموع":"لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّفِّ كُرِهَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ"اهـ (4) . وَأَمَّا حديث"لاَ صَلاَةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ" (5) ؛ فمعناه لا صَلاَةَ كَامِلَةً لأَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتظره حَتَّى فَرَغَ من صَلاتِهِ.