فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 2668

الْمُشْرِكُونَ. وَأَوْصَى مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِي الْعَابِدِينَ، وَأَنْ يَحْمَدُوهُ فِي الحَامِدِينَ، وأنْ يَنْصَحُوا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُوصِي أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَأُوْصِي لِعَبْدِ اللَّهِ بن محمد المعروف ببوران على نحو من خمسين دينارًا وهو مصدق فيها فيقضى ماله عَلَيَّ مِنْ غَلَّةِ الدَّارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا اسْتُوْفِيَ أُعْطِي وَلَدُ صَالِحٍ كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِالصِّبْيَانِ مَنْ وَرَثَتِهِ فَجَعَلَ يَدْعُو لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ صَبِيٌّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا فَسَمَّاهُ سَعِيدًا، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ قَدْ مَشَى حين مَرِضَ فَدَعَاهُ، فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَهُ ثُمَّ قَالَ:"مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِالْوَلَدِ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ؟!"فَقِيلَ لَهُ: ذُرِّيَّةٌ تكون بَعْدَكَ يَدْعُونَ لَكْ. قال:"وذَاكَ إنْ حَصَلْ!". وجعل يحمد الله تعالى. وَقَدْ بَلَغَهُ فِي مَرَضِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كان يَكْرَهُ أَنِينَ المَرِيضِ فَتَرَكَ الْأَنِينَ فَلَمْ يَئِنَّ حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ التي تُوُفِّيَ فِي صبيحتها أَنَّ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَنَّ حِينَ اشْتَدَّ به الْوَجَعُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَيَرُوْى عن صَالِحٍ أيْضًا أنَّهُ قَالَ: حين احْتُضِرَ أبِي جَعَلَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا بَعْدُ! لَا بَعْدُ! فقلت: يا أبة! ما هذه اللفظة التي تَلْهَجُ بِهَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! إِنَّ إِبْلِيسَ وَاقِفٌ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: فُتَّنِي يَا أَحْمَدُ؟ فَأَقُولُ: لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ- يَعْنِي لا يَفُوتُهُ حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ مِنْ جَسَدِهِ عَلَى التَّوْحِيدِ- كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» اهـ (18) ."

وَأَحْسَنُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يُوَضِّئُوهُ فَجَعَلُوا يُوَضِّئُونَهُ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ خَلَّلُوا أَصَابِعِي وَهُوَ يذْكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ ذلك، فلما أكْمَلُوا وُضُوءَهُ تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حين مضى منه نَحْوٌ من سَاعَتَيْنِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الشَّوَارِعِ وَبَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ طاهر حاجبه ومعه غلمان ومعهم مَنَادِيلَ فِيهَا أَكْفَانٌ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ: هَذَا نِيَابَةً عَنِ الْخَلِيفَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَبَعَثَ بِهَذَا. فَأَرْسَلَ أَوْلَادُهُ يَقُولُونَ:"إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ قَدْ أَعْفَاهُ فِي حَيَاتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ"؛ وأبَوْا أَنْ يُكَفِّنُوهُ بتلك الأكْفَانِ، وأُتِيَ بِثَوْبٍ كان قَدْ غَزَلَتْهُ جَارِيَتُهُ فَكَفَّنُوهُ، وَاشْتَرَوْا مَعَهُ عَوَزَ لِفَافَةٍ وَحَنُوطًا، وَاشْتَرَوْا لَهُ راوية ماء، وامتنعوا أنْ يُغَسِّلُوهُ بِمَاءِ بُيُوتِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ هَجَرَ بُيُوتَهُمْ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا يَسْتَعِيرُ مَنْ أَمْتِعَتِهِمْ شَيْئًا، وَكَانَ لَا يَزَالُ مُتَغَضِّبًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ مَا رُتِّبَ لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. وكان لهم عيال كثيرة وهُمْ فَقُرَاءَ. وَحَضَرَ غُسْلَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ مِنْ بَيْتِ الْخِلَافَةِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ بين عينيه ويَدْعُونَ له ويَتَرَحَّمُونَ عليه؛ رحمه الله. وَخَرَجَ النَّاسُ بِنَعْشِهِ وَالْخَلَائِقُ حَوْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ مَا لَمْ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَنَائِبُ الْبَلَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَاقِفٌ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ، ثُمَّ تَقَدَّم فَعَزَّى أَوْلَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أعَادَ جَمَاعَةٌ الصَّلاةَ عليه عند القَبْرِ وعلى القَبْرِ بعد أنْ دُفِنَ من أجْلِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي قَبْرِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت