الشَّمْسِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: تَحْرِيُم النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ، وبَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وأما قول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلاَ عَلاَنِيَةً"أيْ لا يَتْرُكُهُمَا سَوَاءٌ كان في بيته أو في المَسْجِدِ:"رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ" (1) الذي استدل به الظاهرية على مشروعية النَّافلة بعد العَصْرِ؛ فقد أجاب عنه الجمهور:"بأنَّهُ مِنْ خُصُوْصِيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قَالَ النَّوَوِيُّ:"وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ فِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ كَصَلَاةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي قَضَاءِ السُّنَّةِ الْفَائِتَةِ فَالْحَاضِرَةُ أَوْلَى وَالْفَرِيضَةُ الْمَقْضِيَّةُ أَوْلَى وَكَذَا الْجِنَازَةُ"اهـ (2) . وقال الحافظ:"قُلْتُ: وَمَا نَقَلَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاتِّفَاقِ مُتَعَقَّبٌ فَقَدْ حَكَى غَيْرُهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًَا وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ؛ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِر وَبِذَلِك جزم بن حَزْمٍ. وَعَنْ طَائِفَةٍ أُخْرَى الْمَنْعُ مُطْلَقًَا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمَنْعُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. وَحَكَى آخَرُونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا سَيَأْتِي فِي بَابه، وَمَا ادَّعَاهُ بن حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّسْخِ مُسْتَنِدًا إِلَى حَدِيثِ:"مَنْ صَلَّى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ طَلَعَتْ، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى" (3) ؛ فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: ادِّعَاءُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى مَا لَا سَبَبَ لَهُ، ويُخَصُّ مِنْهُ مَا لَهُ سَبَبٌ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (4) .
واختلفوا فيما يحرم من النَّوافل في أوقات النَّهْيِّ: فقال الجمهور:"تحرم جميع النَّوافل ما عدا ركعتي الطَّواف عند أحمد". وقال الشَّافِعِيّ:"ويَحْرُمُ ما ليس له سَبَبٌ إلاّ سُنَّةُ الفَجْرِ"اهـ.
قال الزحيلي:"قال الحنفية: ثَلاثَةُ أوْقَاتٍ لا يَصِحُّ فيها شَيْءٌ من الفَرَائِضِ والوَاجِبَاتِ التي لزمت فِي الذِّمَةِ قبل دخولها: عند طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى أن ترتفع وتبيضّ قدر رمح أو رمحين. وعند استواء الشَّمْسِ في وسط السَّمَاءِ إلى أنْ تزول أي تميل إلى جهة المَغْرِبِ. وعند اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إلى أن تغرب، لقول عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ:"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ" (5) ."
وما عدا ذلك يَجُوزُ فيه القَضَاءُ ولو بعد العَصْرِ والصُّبْحِ. ويصح أداء ما وجب في هذه الأوقات كجنازة حضرت، وسجدة آية تليت فيها، كما صَحَّ عصر اليوم عند الغروب مع الكَرَاهَةِ كما بَيَّنَّا. لكن - كما بينا سابقًا - يُكْرَهُ تَحْرِيِمًَا صَلاةُ النَّافِلَةِ ولو كان لها سبب كالمنذورة ورَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي الأوْقَاتِ الثَّلاثَةِ. كما