مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ فَرَأَيْتُ مَالِكًا جَاءَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ:"اقْسِمْ هَذَا"
عَلَى النَّاسِ، فَخَرَجَ بِهِ مَالِكٌ يُقَسِّمُهُ عَلَى النَّاسِ، فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ" (3) ."
وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحُمِلَ به ثلاث سنين. وتُوُفِّيَ في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فعاش أربعًا وثمانين سنة، وقال الواقدي:"مات وله تسعون سنة"؛ والله أعلم بالصَّواب. وقال ابن الفرات في تاريخه المُرَتَّب على السِّنِيْنَ:"تُوُفِّيَ مالك بن أنس الأصبحي لعشر مضين من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل إنه توفي سنة ثمان وسبعين ومائة، وقيل إن مولده سنة تسعين للهجرة، وقال السَّمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الأصبحي:"إنَّهُ ولد فِي سنة ثلاث أو أربع وتسعين"، والله أعلم بالصَّواب."
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُطرَّف بن عيد اللَّهِ الْيَسَارِيُّ، قَالَ قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ يومًا:"مَا نَقْشُ خَاتَمِكَ؟ قَالَ:"حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل"الآية قلت فَلِم نقشته هَذَا النَّقْشَ مِنْ بَيْنِ مَا يَنْقُشُ النَّاسُ الْخَوَاتِيمَ؟"قَالَ:"إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِقَوْمٍ قَالُوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء} . فقال مطرَّف: فَمَحَوْتُ نَقْشَ خَاتَمِي وَنَقَشْتُهُ (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي فِي كتاب"جذوة المقتبس"قال:"حدث القعنبي قال: دخلت على مالك بن أنس فِي مرضه الذي مات فيه، فَسَلَّمَتُ عليه، ثُمَّ جلست فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟ قال: فقال لِي:"يا ابن قعنب، وما لِي لا أبكي ومن أحق بِالبُكَاءِ مِنِّي؛ والله لوددت أنِّي ضُرِبْتُ لكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبِقْتُ إليه، وليتني لَمْ أُفْتِ بِالرَّأي"، أو كما قال. وكانت وفاته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودُفِنَ بالبقيع جوار إبْرَاهِيمَ ولد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السَّرَّاج بقوله:
سَقَى جَدْثًا ضمَّ البَقِيعُ لمَالِكٍّ ... مِنَ المُزْنِ مِرْعاد السَّحائبِ مِبْراقُ
إِمَامٌ مُوَطَاه الذي طَبَقَتْ بِهِ ... أَقَاليمُ فِي الدُّنْيَا فَسَاحَ وآفاقُ
أقَامَ بِهِ شَرْعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... له حذر من أنْ يُضَامَ وإِشْفَاقُ
لَهُ سَنَدٌ عالٍ صَحِيحٌ وهَيْبَةٌ ... فللكل منه حين يَرْوِيهِ إِطْراقُ
وأَصْحَابُ صِدْقٍ كُلُّهم عِلْمٌ فَسَلْ ... بِهِم إنَّهُم إنْ أَنْتَ سَاءَلتَ حُذَّاقُ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلا ابْن إدْرِيسَ وَحْدَهُ ... كَفَاهُ أَلا إِنَّ السَّعَادةَ أَرْزاقُ
(1) "الموطأ": كتابٌ فِي الحديث رتَّبه الإمام مالك على أبواب الفقه. وهو عظيم الفوائد اهتم به العلماء اهتمامًا بالغًا، فشرحوه، ودرسوا أسانيده ووصلوا مراسيله ومنقطعاته. ومن شروحه: (الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار) ، و (التمهيد لما في