فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 2668

ولقد زار الخليفةُ هارون الرَّشِيد حلقته الدِّرَاسِيَّة بِالْمَدِينَةِ عندما كان يحج سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، وفِي ذلك العام مَاتَ مالك.

أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم. وسمع الزُّهْرِيّ ونافعًا مولى ابن عمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وروى عنه: الْأَوْزَاعِيّ ويحيى بن سعيد، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي ثُمَّ أفتى معه عند السُّلطان. وقال مالكٌ:"قَلَّ رجلٌ كنت أتعلم منه ومات حتَّى يَجيئنِي ويستفتينِي!". وقال ابن وهب:"سَمِعْتُ مناديًا ينادي بالمدينة: ألا لا يُفْتِي النَّاسَ إلا مَالِكُ بن أَنَسٍ وابن أبِي ذِئْبٍ". قال الشَّافِعِيّ، قال لِي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؟ قال:"قلت: على الإنصاف! قال: نعم، قال:"قلت: ناشدتك الله مَنْ أعلمُ بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَقَدِّمِينَ صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال الشَّافِعِيّ:"فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس؟!".

وكان مالك إذا أراد أنْ يُحَدَّثَ: تَوَضَّأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكَّن في جلوسه بوقار وهيبة، ثُمَّ حَدَّثَ، فقيل له فِي ذلك فقال:"أحب أَنْ أعظم حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أُحَدِثُ به إلا مُتَمَكِّنًا على طهارة". وَمَرَّ الإمامُ مالكُ بْنِ أَنَسٍ على أبِي حازم، وهو جالسٌ فجازه، فقيل له، فَقَالَ:"لم أجد موضعًا أجلس فيه، وكرهت أن آخذ حديث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا قائمٌ". وكان يكره أن يحدِّث على الطريق أو قائمًا أو مستعجلًا ويقول:"أُحِبُّ أَنْ أَتَفَهَّمَ مَا أُحَدِّثُ به عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

وقال الواقدي: كان مالك يأتِي المسجد، ويشهد الصَّلَوات والجُمُعَةَ والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويَجْلس فِي المسجد ويَجْتمع إليه أصحابه، ثُمَّ ترك الجلوس فِي المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مَجْلسه، وترك حضور الجنائز فكان يأتِي أصْحَابَهَا فَيُعَزِّيِهِم، ثُمَّ ترك ذلك كله فلَمْ يكن يشهد الصَّلَوات فِي المسجد ولا الجُمُعَةَ ولا يأتِي أَحَدًا يُعَزِّيهِ ولا يقضي له حَقًَّا، واحتمل الناس له ذلك حَتَّى مَاتَ عليه، وكان رُبَّمَا قيل له فِي ذلك فيقول:"ليس كل النَّاس يقدر أنْ يتكلم بعذره" (2) . وسُعِيَ به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وهو ابن عم أبِي جعفر المنصور، وقالوا له:"إنَّه لا يرى أيْمَانَ بَيْعَتِكُم هذه بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ جَعْفَرٌ ودَعَا بِهِ وجَرَّدَهُ وضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ، ومُدَّتْ يَدُهُ حتَّى انْخَلَعَتْ كَتِفُهُ وارتكب منه أمرًا عظيمًا، فلَمْ يَزَلْ بعد ذلك الضَرْبِ فِي عُلُوٍّ ورِفْعَةٍ وكأَنَّمَا كانت السِّيَاطُ حُليًِّا حُلي به". وذكر ابن الجوزي فِي"شذور العقود"فِي سنة سبع وأربعين ومائة:"وفيها ضُرِبَ مالك بن أنس سبعين سَوْطًا لأَجْلِ فَتْوَى لَمْ تُوَافِقْ غَرَضَ السُّلْطَانِ"، والله أعلم.

قَالَ: أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: أخبرنا"زَيْدُ بْنُ دَاوُد -رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ أَفْضَلِهِمْ-"قَالَ:"رَأَيْتُ فِيَ الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقَبْرَ انْفَرَجَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَاعِدٌ، وَإِذَا النَّاسُ مُنْفَصِمون، فَصَاحَ صَائِحٌ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت