الْحَرْثِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَا) تُرَابًا أَمْلَسَ. وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَدَاوُد. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ؛ كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحِجَارَةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: الرَّمْلُ مِنْ الصَّعِيدِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالرُّخَامِ"اهـ (3) . وقال فِي"عمدة الفقه":"وَصِفَتُهُ أَنْ يَضْرِبَ بيديه على الصعيد ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمَسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. قال:"وإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرِ من ضَرْبَةٍ أو مَسَحَ أَكْثَرَ جَازَ، لحديث ابن الصُمَّةَ فإنَّهُ دَلَّ على جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ، وحديث عَمَّارٍ يَدُلُّ على الإِجْزَاءِ بِضَرْبَةٍ، ولا تَنَافِي بينهما، ولأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى قَالَ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ولَمْ يَذْكُر عَدَدًَا، ومَنْ ضَرَبَ ضَرْبَتَيْنِ أوْ مَسَحَ أَكْثَرَ من اليَدِ [إلى الكُوْعِ] فَقَدْ وَفَّى بِمُوجِبِ النَّصِّ. وله شُرُوُطٌ أَرْبَعَةٌ: أحدها: العَجْزُ عن اسْتِعْمَالِ المَاءِ، إِمَّا لِعَدَمِهِ أو لِخَوْفِ الضَّرَرِ من اسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضٍ أوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ). أوْ لِخَوْفِ العَطَشِ على نَفْسِهِ أوْ رَفِيقِهِ أوْ بَهِيمَتِهِ، أوْ خَوْفٍ على نَفْسِهِ أو مَالِهِ فِي طَلَبِهِ. أوْ تَعَذَّرَ إلا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ"اهـ (4) .
وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيّ فِي الجَدِيدِ:"إلى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ وَاجِبَتَانِ، الأُوْلَى للوَجْهِ، والثَّانِيَةُ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ؛ وهو ضَعِيفٌ (5) . وأَمَّا المَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالَ ابن جُزَيّ:" (وسننه) تَقْدِيم الْوَجْه على الْيَدَيْنِ وتجديد ضَرْبَة لِلْيَدَيْنِ ومسحهما إِلَى الْمرْفقين وَقيل يجب وفَاقا للشَّافِعِيّ وَغَيره" (6) . قال النَّفْرَاوي:"وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْحِ مِنْ الْكُوعِ إلَى الْمِرْفَقِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ لِلْكُوعَيْنِ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ وَاجِبٌ، وَعَلَى كُلٍّ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى كُوعَيْهِ فَصَلَّى فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ" (7) ."
ثانيًا: أَنَّ النَّفْخَ فِي الْكَفَّيْنِ بعد ضَرْبِهِمَا بِالأَرْضِ أو غَيْرِهَا سُنَّةٌ أو مُسْتَحَبٌ كما أفاده العيني، والحِكْمَةُ فيه إِزَالَةِ التَّلْوِيثِ عن الْوَجْهِ والْكَفَّيْنِ، خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَقَ بِهِمَا شَيْءٌ فَيُصِيبُ الْوَجْهَ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَنَفَخَ فِيهِمَا".
(1) أي هل ينفخ فِي كفيه بعد ضَرْبِهِمَا على الأَرْضِ.
(2) قال فِي "مسند أحمد ط الرسالة":"إسناده: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ يَعْنِي ابْنَ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: .... وهو حديث صحيح دون قوله: "وبعض ذراعيه"، فقد شَكَّ فيها سلمة بن كهيل، كما سلف برقم (18339) ، وأشار إلى ضعفها الحافظ فِي"الفتح"1/ 445، وقد جاء فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ (18338) :"ومَسَحَ بِهَا وجهه وكفيه"، ورجال هذا الإسناد ثقات رجال الشيخين، غير أبي مالك- وهو غزوان الغفاري الكوفي- فمن رجال أبي داود والترمذي والنسائي، وروى له البخاري تعليقًا، وهو ثقة، وغير عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، فقد روى له البخاري تعليقًا، وأبو داود والنسائي وهو صدوق. سفيان: هو الثوري"اهـ.
(3) "الْمُغْنِي"لابن قدامة: [مَسْأَلَةُ الْمُتَيَمِّمُ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ] ج 1 ص 182.