معنى الحديث: تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ"وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ من الهِجْرَةِ، كما ذكره ابن عبد البر وابن سعد وابن حبان، وقيل: إنَّها غَزْوَةٌ أُخْرَى بَعْدَ غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ التي وَقَعَتْ فيها قِصَّةُ الإِفْكِ، وأَنَّ العِقْدَ ضَاعَ فِي الغَزْوَتَيْنِ"حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ"مَوْضِعَانِ بعد ذِي الحُلَيْفَةَ"انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي"وكان من جَزْعِ ظِفَارٍ بفتح الجيم وسُكُونُ الزَّاي؛ وهو خَرَزٌ يَمَانِيٌّ يُجْلَبُ من ظِفَارٍ على سَاحِلِ البَحْرِ،"فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التِمَاسِهِ"أيْ نَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هناك للبَحْثِ عنه"وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ"إلخ، أَيْ ولا يُوْجَدُ فِي ذلك المَكَان مَاءٌ، ولا يَحْمِلُونَ مَعَهُم مَاءً.
"فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟"إلخ، أيْ فَجَاءَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَشْتَكُونَ إليه مَا صَنَعَتْ بِهِم عَائِشَةُ،"أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء"؛ حَيْثُ كَانَتْ السَّبَب فِي إِقَامَتِهِم بذلك المكان على غَيْرِ مَاءٍ (1) ؛"فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ"، أيْ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لِعَائِشَةَ مُؤنِّبًَا لَهَا: لَقَدْ كُنْتِ السَّبَبَ فِي إِقَامَةِ النَّاسِ هُنَا، وتَأْخِيرِهِم عن السَّفْرِ"وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ"من أَلفَاظِ التَّأْنِيبِ القَاسِيَةِ"وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي"أيْ يَنْخَسَنِي بِيَدِهِ"أَيْ فَنَخَسَنِي بِيَدِهِ كَثِيرًَا، حَتَّى آلَمَنِي أَلَمًَا شَدِيدًَا، وهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَكَانِي،"فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي"أَيْ ولَمْ يَمْنَعُنِي من ذلك إلَّا وُجُودُ رَأْسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فَخِذِي"فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم"التي فِي سُورَةِ المَائِدَةِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الحميدي عن عَائِشَةَ أنَّهَا ذَكَرَتْ الحديث ثُمَّ قَالَتْ فيه: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ .. إلى قَوْلِهِ تَعَالَى:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) ،"فَتَيَمَّمُوا؛ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ!"أيْ أنَّ بَرَكَاتِكُمْ كَثِيرَةٌ، وهذه إِحْدَاهَا (2) ."قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ"أَيْ فَأَقَمْنَا البَعِيرَ الذي كُنْتُ رَاكِبَةً عليه، فَوَجْدَنَا العِقْدَ الضَّائِعَ تَحْتَهُ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
بَيَانُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ، وسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتَهِ، وأَنَّهُ بَدَلٌ عن الوُضُوءِ والغُسْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ المُشَارُ إلَيْهَا: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أيْ جَامَعْتُمُوهُنَّ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فَإِنَّ قَوْلَهَ تَعَالَى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الوُضُوءِ، وقوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الغُسْلِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم".
(1) لأَنَّهُ لَوْلا قَدَرُ اللهِ ثُمَّ انْقِطَاعِ عِقْدِهَا لَمَا نَزَلَ النَّاسُ بذلك المَوْضِعِ الذي لا مَاءَ فِيهِ.