فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكِ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي"أخرجه مالك فِي الموطأ (6) ؛ أيْ تَشُدُّ خِرْقَةً عَرِيضَةً على فَرْجِهَا"ثُمَّ لِتُصَلِّي". فَإِنّ الحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ المُعْتَادَةَ تَعْمَلُ بِعَادَتِهَا، فَتَمْكُثُ مُمْتَنِعَةً عن الصَّلاِة وغيرها مُدَّةَ عَادَتِهَا، فإذا انْتَهَتْ تلك الأيَّامِ التي كانت تَعْهَدُهَا، وجَاوَزَتْ مُدَّةَ الحيض التي كانت مُعْتَادَةً عليها قبلِ إصَابَتِهَا بالاسْتِحَاضَةِ، فإنَّهَا تَطَهَّرُ وتَغْتَسِلُ وتُصَلِّي."
ومِمَّا يَدُلُّ على ذلك أيْضًَا حديث أسْمَاءَ عند أبِي داود وغيره (وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيّ) ولفظه:"فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الأَيَّامَ الَّتِى كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ"وحديث أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّهَا سِأَلَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الدَّمِ فقال لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي"أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسَائِيّ والبَيْهَقِيّ. فإنَّ هذه الأحاديث ليس فيها إلاّ الرَّدّ إلى العَادَةِ لا سِيِّما حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قال ابن قدامة:"وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِنَّمَا يَدُلُّ على العَادَةِ بلا نِزَاعٍ فِيهِ".
ولهذا قال أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ:"الْمُسْتَحَاضَةُ تُرَدُّ إلى عَادَتِهَا ولو كانت مُمَيّزَةً"فلا اعْتِبَارَ للتَّمْيِيزِ، وإِنَّمَا تُعْتَبَرُ العَادَةَ. قال الزَّرْقَانِي:"إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُعْتَادَةَ تُرَدُّ لِعَادَتِهَا مَيَّزَتْ أَمْ لَا، وَافَقَ تَمْيِيزُهَا عَادَتَهَا أَمْ خَالَفَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَاعِدَةِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ لَا، وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا إِنَّمَا تُرَدُّ لِعَادَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً وَإِلَّا رُدَّتْ إِلَى تَمْيِيزِهَا"اهـ (7) . وَقال ابن قدامة:"وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ إلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِهَا مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَهَا" (8) .
وأما المالكية:"فقد نسب الزَّرقانِي إليهم: أنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تعمل بتمييزها مثل الشَّافِعِيَّة، ولكن المسألة عندهم فيها تفصيل؛ فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بين الدُّخُولِ في الحيض والخروج منه؛ فيعتبرون التَّمْيِيز فِي الأول والعادة فِي الثَّانِي. ويقولون:"لا تنتقل الْمُسْتَحَاضَةُ من الطُّهْرِ إلى الحيض إلا باجتماع ثَلاثَةِ أُمُورٍ:
الأَوَّل: أَنْ تكون مُمَيِّزَة.
الثَّانِي: أَنْ تَرَى تَغَيُّرَ الدَّمِ من لَوْنٍ إلى آخَرَ وَتَغَيُّرَ رَائِحَتُهُ.
الثَّالِث: أَنْ يَحْدُثَ هذا التَّغَيُّرِ بعد انْقِضَاءِ أَقَلُّ الطُّهْرِ وهو خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًَا" (9) ."
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الخُرُوجِ من الحَيْضِ فَإِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ فِي مَشْهُورِ المَذْهَبِ تَنْتَقِلُ من الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ بانْقِضَاءِ مُدَّةِ عَادَتِهَا وزِيَادَة ثَلاثَةِ أيَّامٍ عليها للاسْتِظْهَارِ. قال الباجي:"فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ؛ فعن مالك روايتان: إحْدَاهُمَا أنَّهَا تُقِيمُ أيَّامَ عَادَتِهَا ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ. والثانية: تقيم أكثر الحيض. وما يظهر من كتب الفروع أنَّ المالكية اختاروا الاسْتِظْهَارَ، ومعناه أَنْ تَمْكُثَ أيَّامَ عَادَتِهَا مع إضَافَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ اسْتِظْهَارًَا"اهـ (10) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ".