انْقَطَعَ، أَوْ دَاءٌ عَرَضَ لَهَا" (1) أيْ ولَيْسَ ذلك الدَّمُ الذي تَسْأَلِينَ عنه حَيْضًَا شَرْعِيًَّا، ولا تَجْرِي عليه أحْكَامُ الحَيْضِ الشَّرْعِيّةِ، وإِنَّمَا هو دَمُ مَرَضٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الحَدَثِ الدَّائمِ من سَلَسِ البَوْلِ والغَائِطِ وغيره، لا يَمْنَعُ شَيْئًَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الحَيْضُ والنِّفَاسُ مِنْ صَلاةٍ وصَوْمٍ ولوْ نَفْلًا ونحو ذلك" (2) ."فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ"بفتح الحاء وكسرها كما أفاده النَّوَوِيّ، أيْ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ عَادَتَكِ الشَّهْرِيَّةِ، وهو الوَقْتُ الذي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيه عَادَةً قبل أَنْ تُصَابِي بالاسْتِحَاضَةِ"فَدَعِي الصَّلاَةَ"عند حُلُولِ ذَلِكَ الوَقْت من أَوَّلِ الشَّهْرِ أو وَسَطَهِ أو آخِرِهِ"وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي"أيْ وامْكُثِي تَارِكَةً للصَّلاةِ والصَّوْمِ وغيرها من مَمْنُوعَاتِ الحَيْضِ مُدَّة عَادَتَكِ الشَّهْرِيَّةِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا قبل إِصَابَتِكِ بِالاسْتِحَاضَةِ، فإذا انْتَهَي مِقْدَارُ تلك المُدَّةِ، وانْقَضَتْ عِدَّةُ أيَّامِهَا فإنَّكِ تَكُونِينَ قَدْ طَهْرُتِ من الحَيْضِ، فاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ تَنْظِيفًَا له واغْتَسِلِي - وإِنْ لَمْ يَذْكُر الاغْتِسَالَ إلاّ أنَّهُ مُرَادٌ كما أفاده ابن دقيق العيد -، وقَدْ جَاءَ الأَمْرُ به فِي رِوَايَةِ أبِي أُسَامَةَ عن هِشَامٍ حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي" (3) وهكذا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات عن تَلامِذَةِ هِشَامٍ ففي بَعْضِهَا ذِكْرُ الاغْتِسَالِ، وفِي بَعْضِهَا غَسْلُ الدَّمِ، وكُلُّهُم ثِقَاتٌ فَتُحْمَلُ الرِّوَايَات بَعْضُها على بَعْضٍ، ويُجْمَعُ بَيْنَهَا كلها فيقال:"إنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بالاغْتِسَالِ وغَسْلِ الدَّمِ مَعًَا".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّ دَمَ الاسْتِحَاضَةِ لَيْسَ حَيْضًَا شَرْعِيًَّا وإِنَّمَا هو كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ لا يَمْنَعُ شَيْئًَا من مَمْنُوعَاتِ الحَيْضِ والنِّفَاسِ، فَالمُسْتَحَاضَةُ تُصَلِّي وتَصُومُ فَرْضًَا أو نَفْلًا، ولا يَمْنَعُها ذلك عن شَيْءٍ، ويَجُوزُ لَهَا كُلّ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الحَائِضِ مِنْ طَوَافٍ وقِرَاءَةِ قُرْآنٍ ومَسِّ مُصْحَفٍ ودُخُولِ مَسْجِدٍ.
وَالْمُسْتَحَاضَةُ يَجُوزُ وَطْؤهَا عند الجمهور. وهو قَوْلُ أحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وقال فِي رِوَايَةٍ أخرى -يَظْهَرُ أنَّها الرَّاجِحَةُ عند الحَنَابِلَةِ-:"لا تُوْطَأ المُسْتَحَاضَةُ إلاّ أَنْ يَخَافَ على نَفْسِهِ الوُقُوعَ فِي مَحْظورٍ لِمَا رَوَى الخَلَّالُ فِي إِسْنَادِهِ عن عَائِشَةَ أنّهَا قَالَتْ:"الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا" (4) ؛ ولأَنَّ بِهَا أَذَى، فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَالحَائِضِ (5) ."
ثانيًا: أَنّ الْمُسْتَحَاضَةُ - إذا كانت معتادة - تُرَّدُ لِعَادَتِهَا مَيَّزَتْ أم لا، وَافَقَ تَمْيِيزِهَا عَادَتَهَا أوْ خَالَفَهَا، عَمَلًا بِحَدِيثِ البَابِ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشِ أَنْ تَعْمَلَ بِعَادَتِهَا وأَنْ تَعْتَمِدَ عليها عند الدُّخُولِ فِي الحَيْضِ والخُرُوجِ منه، فإذا جَاءَ وَقْتُ عَادَتِهَا الشَّهْرِيَّةِ تَنْقَطِعُ عن الصَّلاةِ وتَدْخُلُ فِي الحَيْضِ وتَجْرِي أحْكَامُهُ عليها، وإذا انْتَهَتْ مُدَّةُ عَادَتِهَا تَغْتَسِل وتُصَلِّي، وتَدْخُلُ فِي الطُّهْرِ وتَجْرِي أَحْكَامُهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي"صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَعْمَلُ بِعَادَتِهَا؛ ومِمَّا يُؤكِّدُ ذلك ويَدُلُّ دِلالَةٌ صَرِيحَةٌ على أَنَّ المُعْتَادَةَ تُرَّدُ إلى عَادَتِهَا حديث"أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ (أيْ يَتَصَبَّبُ مِنْهَا الدَّمُ دُونَ انْقِطَاعٍ) فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَتَتْرُكِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذلِكَ مِنَ الشَّهْرِ.