أَوَّلًا: أَنَّ الطَهَارَةَ من النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ مع القُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ عِنْدَ العَجْزِ، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُلْقِيَتْ عليه النَّجَاسَةُ فِي الصَّلاةِ، ولَمْ يَكُنْ قَادِرًَا على إزَالَتِهَا، أَتَمَّ صَلاتَهُ، ولَمْ يَقْطَعْهَا، ولوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عند عَدَمِ القُدْرَة تَفْسِدُ الصَّلاةَ لَقَطَعَهَا، وقال الجمهور: الطَهَارَةُ من النَّجَاسَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ مُطْلَقًَا فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) . وللمالكية فيها قَوْلانِ مَشْهُورَانِ:"الوُجُوبُ والسُّنِّيَةُ حَالَ التَّذَكُّرِ والقُدْرَةِ والتَّمَكُّنِ. فإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ عَامِدًَا قَادِرًَا على إزَالَتِهَا أعَادَ صَلاتَهُ وُجُوبًَا لبُطْلانِهَا، وعلى القَوْلِ بِأنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ تُنْدَبُ الإِعَادَة، وعلى كِلا القَوْلَيْنِ تندب الإِعادة للنَّاسِي والعَاجِزِ عَنْهَا عند المالكية". قال فِي (بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) :"فَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا حَكَوْا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَعُونَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ:"
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ إزَالَتَهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ فَمَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا ذَاكِرًا أَعَادَ أَبَدًا وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو طَاهِرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا أَثِمَ وَلَمْ يُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إزَالَتِهَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ؛ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّنَا إنْ قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا وَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا، وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًَا"اهـ (3) ."
ثانيًا: اسْتَدَلَّ البُخَارِيّ بِهِ على أَنَّ مَنْ حَدَثَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ مَا يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا ابْتِدَاءً لَا تَبْطُل صَلَاتُهُ وَلَو تَمَادَى (4) .
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْطَعِ الصَّلاةَ حِيْنَ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ.
(1) قَالَ الْهَيْثَمُ:"وَكَانَ أَوَّلُ أَمَرِ الْجَمَاجِمِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ دُجَيْلٍ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَكَانَ آخِرُ أَمَرِ الْجَمَاجِمِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ".
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ) ج 1 ص 350.
(3) "المنتقى شرح الموطأ": (بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) ج 1 ص 41.
(4) هكذا قال بعض الشُّرَّاح، ونسبه إلى البُخَارِيّ، وهو قول بعض المالكية.