أَصْحَابِهِ عَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ اعْتِبَارَ نَجَاسَتِهِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ كَانَ نَجِسًا وَإِنْ كَثُرَ كَانَ طَاهِرًا، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا فِي حَدِّ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَحْدُودٌ بَقُلَّتَيْنِ، فَإِنْ بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ، لَا يَنْجَسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَهُوَ نَجِسٌ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ ابْنُ جَرِيحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْدُودٌ بِأَرْبَعِينَ قُلَّةً، وَالْقُلَّةُ مِنْهَا كَالْجَرَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْدُودُ بِكَرٍّ، وَالْكَرُّ عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ قَفِيزًا، وَالْقَفِيزُ عِنْدَهُمُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا، وَكَانَ مِقْدَارُ ذَلِكَ أَلْفَ رِطْلٍ، وَمِائَتَيْ رِطْلٍ، وَثَمَانِينَ رِطْلًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ وَوَكِيعِ بْنِ الْجِرَّاحِ فَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ الْمَشْهُورَةُ فِيمَا يُنَجَّسُ مِنَ الْمَاءِ وَلَا يُنَجَّسُ"اهـ (4) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: النَّهْيُّ عن التَّبَوُلِ"أو التَّغْوُطِ"فِي المَاءِ الرَّاكِدِ. وقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ:"يُكْرَهُ التَّبَوُّلَ فِي المَاءِ القَلِيلِ إذا كَانَ لا يَتَغَيَّرُ بِهِ (5) ويَحْرُم إذا كان يُؤَدِّي إِلى تَغْيِيرِهِ قَلِيلًا كان أَوْ كَثِيرًَا". وفَرّقَ الجمهور بين القَلِيلِ والكَثِيرَ، فَقَالُوا:"يَحْرُمُ فِي القَلِيلِ مُطْلَقًَا، غَيَّرَهُ أوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ، ويُكْرَهُ فِي الكَثِيرَ إذا لَمْ يُغَيِّرْهُ، فَإِنْ غَيَّرَهُ يَحْرُمُ".
ثانيًا: اسْتَدَلَّ به الحَنَفِيَّةُ والشَّافِعِيَّةُ على أَنَّ المَاءَ المُسْتَعْمَلَ فِي وَضُوءٍ أو غُسْلٍ هو مَاءٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، فلا يَجُوزُ الوُضُوءُ أو الاغْتِسَالُ فيه، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى عن اسْتِعْمَالِهِ لئلا يسلب طهوريته، وحَمَلَ المَالِكِيَّةُ النَّهْيَّ عن الاغْتِسَالِ فيه على الكَرَاهَةِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ".
(1) قَالَ بن الْأَنْبَارِيِّ الدَّائِمُ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ يُقَالُ لِلسَّاكِنِ وَالدَّائِرِ وَمِنْهُ أَصَابَ الرَّأْسَ دُوَامٌ أَيْ دُوَارٌ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ الَّذِي لَا يَجْرِي صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لأَحَدٍ معني الْمُشْتَرَكِ وَقِيلَ الدَّائِمُ وَالرَّاكِدُ مُقَابِلَانِ لِلْجَارِي لَكِنِ الدَّائِم الَّذِي لَهُ نَبْعٌ وَالرَّاكِدُ الَّذِي لَا نَبْعَ لَهُ". وإِنَّمَا فَسَّرَهُ بالذي لا يَجْرِي، لأَنَّ الدَّائِمَ من الأَضْدَادِ، فَلَوْ لَمْ يُفَسِّرْهُ لَوَقَعَ الالْتِبَاسُ."
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) ج 1 ص 347.
(3) قال فِي"المستدرك على الصَّحِيحَيْنِ":"حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنْبَأَ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْفَقِيهَ، بِمِصْرَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، قَالَا: ثنا الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَنْبَأَ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَ الثِّقَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجِسًا - أَوْ قَالَ: خَبَثًا -"."هَذَا خِلَافٌ لَا يُوْهِنُ