وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: جَوَازُ الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ مُطْلَقًَا، وهو مذهب الجمهور (1) . قَالَ العَيْنِيُّ:"قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة الصَّلَاة فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ إلاَّ الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِكْرَاه الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم إِذا كَانَ سَلِيمَاُ من أبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَمِمَّنْ روى عَنهُ إجَازَة ذَلِك، وَفعله ابْن عمر وَجَابِر وَأَبُو ذَر وَالزُّبَيْر وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ على الشَّافِعِيِّ، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّ الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيص مَوضِع من آخر، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَرَابِضَهَا لَا تَسْلَمْ مِنَ البَعْرِ وَالْبَوْلِ، فَدَلَّ على الْإِبَاحَةِ وعَلى طَهَارَةِ الْبَوْلِ والبَعْرِ"اهـ (2) .
ثانيًا: طَهَارَةُ أَبْوَالِ الغَنَمِ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبَاحَ الصَّلاةَ فِي مَرَابِضِهَا؛ وهي كما قال ابن بطال:"لَا تَسْلَمْ مِنَ البَعْرِ وَالْبَوْلِ"فَدَلَّ على الْإِبَاحَةِ؛ وعَلى طَهَارَة الْبَوْلِ والبَعْرِ.
وقال ابْنُ حَزْمٍ:"هذا الحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، لأَنَّ فيه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قبل أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ، فاقْتَضَى أنَّهُ فِي أوَّلِ الهِجْرَةِ، ولَكِنْ يَرُدَّ عليه مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ للبيهقي من حَدِيث أبِي زرْعَةَ (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا) :"إِنَّ الْغَنَمَ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ، فَامْسَحُوا رُغَامَهَا (3) ، وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِهَا". (وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَالَ:"امْسَحْ رُغَامَهَا وَصَلِّ فِي مَرَاحِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ"رَوَاهُ الْبَزَّارُ") اهـ (4) ؛ وهو حديث ضعيف.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ"لأَنَّهُ يَدُلُّ على جَوَازِ الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِهَا، وطَهَارَةِ أَبْوَالِهَا كما تَرْجَمَ له البُخَارِيّ.
(1) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلٍ؟ فَقَالَ: تَوَضَّؤُوا مِنْهَا. قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: لاَ تُصَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: صَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ. قال فِي"جامع الأصول":"رواه أبو داود رقم (184) فِي الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل، والترمذي رقم (81) فِي الطهارة، باب ما جاء فِي الوُضُوءِ من لحوم الإبل، ورواه أيضًا أحمد فِي"المسند"4/ 288 و 4/ 303، وابن الجارود فِي"المنتقى"صفحة 22، وهو حديث صحيح"اهـ.
(2) "شرح العيني": (بابُ أَبْوَالِ الابِلِ والدَّوابِّ والغَنَمِ ومَرَابِضهَا) ج 3 ص 157. (وفِي السنن الكبرى للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللهُ:"فَأَمَرَ أَنْ يُصَلَّى فِي مُرَاحِهَا، يَعْنِي، وَاللهُ أَعْلَمُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مُرَاحِهَا الَّذِي لَا بَعْرَ وَلَا بَوْلَ فِيهِ قَالَ: وَأَكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةَ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَذَرٌ، لِنَهْيِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ") .