فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 2668

يَخْرُجُوا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا"أْي أنْ يلحقوا بنياقٍ حَلُوبٍ له خارج المدينة، ويقيموا عندها وأَنْ يَشْرَبُوا من أبْوَالِهَا وألْبَانِهَا لأَنَّها عِلاجٌ وشِفَاءٌ."فَشَرِبُوا حَتَّى إِذَا بَرِئُوا"أيْ فَلَمَّا شُفُوا من مَرَضِهِم؛"قَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ"بفتحِ النُّونِ والعَيْنِ أي سَاقُوا الإِبِلَ، وهَرَبُوا بِهَا، فَقَابَلُوا الإِحْسَانَ بِالإِسَاءَةِ، والمَعْرُوفَ بِالنُّكْرَانِ"فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ"أيْ كُحِّلَتْ بِالمَسَامِيرِ."فَأُلْقُوا بِالحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ"."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: قَالَ العَيْنِيُّ:"اسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِهذا الحَدِيثِ على طَهَارِةِ بَوْلِ ما يُؤْكَل لَحْمُهُ، سَوَاءٌ كان من الإِبِلِ أو الغَنَمِ أو غيرها من الدَّوَابِّ، وبِهِ قَالَ أحْمَدُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ والاصْطَخَرِي والرُّوَيَّانِي الشَّافِعِيّانِ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِي وعطاء والنَّخْعي والزُّهْرِيّ وابْنِ سِيرِينَ والثَّوْرِي. قَالَ العَيْنِيُّ:"وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ: الأَبْوَالُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إلاَّ مَا عُفيَ عَنهُ، وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَنَّ مَا فِي حَدِيثِ العُرَنِيِينَ قَدْ كَانَ للضَّرُورَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّه يُبَاحُ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءٍ أُبِيْحَتْ فِي الضَّرُوْرَاتِ وَلَمْ تُبَحْ فِي غَيرهَا، كَمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ على الرِّجَالِ وَقَدْ أُبِيحَ لُبْسَهُ فِي الْحَرْبِ أَو للحَكَّةِ أَو لِشِدَّةِ الْبَرْدِ إِذا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَله أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرْعِ"اهـ (2) . وقال ابن حزم (3) :"فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ مِنْ السَّقَمِ الَّذِي كَانَ أَصَابَهُمْ، وَأَنَّهُمْ صَحَّتْ أَجْسَامُهُمْ بِذَلِكَ، وَالتَّدَاوِي بِمَنْزِلَةِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} . فَمَا اُضْطُرَّ الْمَرْءُ إلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ"اهـ (4) ."

ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ مُعَاقَبَةِ المُحَارِبِينَ، وهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًَا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ) ... إلخ.

ثالثًا: قال فِي"المحلى":"قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا الْبَوْلُ فَكُلُّهُ نَجِسٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُ أَغْلَظُ نَجَاسَةً مِنْ بَعْضٍ، فَبَوْلُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ - مِنْ فَرَسٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا فَيُنَجِّسُ حِينَئِذٍ وَتُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا. وَلَمْ يَحُدَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ فِي الْكَثِيرِ حَدًّا. وَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِأَنْ يَكُونَ شِبْرًا فِي شِبْرٍ. قَالَ: فَلَوْ بَالَتْ شَاةٌ فِي بِئْرٍ فَقَدْ تَنَجَّسَتْ وَتُنْزَحُ كُلُّهَا. قَالُوا: وَأَمَّا بَوْلُ الْإِنْسَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَلَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ نَجَّسَ الثَّوْبَ وَأُعِيدَتْ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا - فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ لَمْ يُنَجِّسْ الثَّوْبَ وَلَمْ تُعَدْ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا - قَبْلُ وَبَعْدُ - فَالْعَمْدُ عِنْدَهُمْ وَالنِّسْيَانُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ"اهـ (5) .

والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا"؛ وهذا دَلِيلُ طَهَارَتِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت