وقال شيخ الإِسلام ابن تيميّة:"وَأَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةُ مِثْلُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَلَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَبَعْدَهُمَا مَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، مِثْلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ، وَلِعَبْدِ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُتُبُ السُّنَنِ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْمَسَانِيدُ كَمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمُوَطَّإِ مَالِكٍ فِيهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْكُتُبِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ مُوَطَّإِ مَالِكٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَا صُنِّفَ عَلَى طَرِيقَتِهِ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي الْبَابِ بَيْنَ الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ تَكُنْ وُضِعَتْ كُتُبُ الرَّأْيِ الَّتِي تُسَمَّى كُتُبُ الْفِقْهِ" (4) .
وشارك الشُّعَرَاءُ في الثَّناء على هذا الكتاب العظيم، والتغني بمدحه فقال العجلي:
كَأنَّ البُخَارِيّ في جَمْعِهِ ... تَلَقَّى مِنَ المُصْطَفَى مَا كَتَبْ
فَلِلَّهِ خَاطِره ما وَعَى ... وسَاقَ فَرَائِده وانْتَخَبْ
وقال الجرجانِي فِي وصفه:
(صَحِيحُ البُخَارِيّ لَو أنْصَفُوهُ ... لَمَا خُطّ إِلَّا بِمَاءِ الذَّهَبْ)
(هُوَ الْفَرْقُ بَين الْهُدَى والعَمَى ... هُوَ السَّدُ دُونَ العنا والعَطَبْ)
(أَسَانِيدُ مثل نُجُوم السَّمَاءِ ... أَمَامَ مُتُونٍ كَمثلِ الشُّهُبْ)
(بِهِ قَامَ مِيْزَانُ دِينِ النَّبِي ... ودَانَ لَهُ الْعَجَم بعد الْعَرَبْ)
(حِجَابٌ مِنَ النَّارِ لَا شَكّ فِيهِ ... يُمَيّز بَين الرِّضَا وَالْغَضَبْ)
(وَخَيْرُ رَفِيقٍ إِلَى الْمُصْطَفى ... وَنُورٌ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيَبْ)
(فَيَا عَالِمًَا أجْمَعَ الْعَالمُونَ ... على فَضْلِ رُتْبَتِهِ فِي الرُّتَبْ)
(سَبَقْتَ الْأَئِمَّة فِيمَا جَمَعْتَ ... وفُزْتَ على رَغْمِهِم بِالقَصَبْ)
(نَفَيْتَ السَّقِيمَ من الغافلين ... وَمن كَانَ مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ)
(وَأثْبَتَّ مِنْ عَدَّلْتَهَ ... وَصَحَّتْ رِوَايَتهُ فِي الْكُتُبْ)
(وأَبْرَزْتَ فِي حُسْنِ تَرْتِيبِهِ ... وتَبْوِيبِهِ عَجَبًا للعَجَبْ)
(فأعْطَاكَ رَبُّكَ مَا تَشْتَهِيه ... وأجْزَلَ حَظَّكَ فِيمَا يَهَبْ)
(وخَصَّكَ فِي غُرُفَاتِ الْجِنَانِ ... بِخَيرٍ يَدُومُ وَلَا يُقْتَضَبْ) (5)
نفعنا الله به ووفقنا للعمل بِمَا فيه؛ والله أعلم.