126 -عَنْ أبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا» ."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
126 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ"أيْ طَلَبَ قَدَحًَا فيه مَاءٌ."فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ (1) "من المَاءِ المَوْجُودِ فِي ذلك القَدَحِ"وَمَجَّ فِيهِ"أيْ طَرَحَ المَاءِ من فَمِهِ الشَّرِيفِ فِي ذلك الإِنَاءِ"ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا» (2) يُخَاطِبُ بذلك أبا موسى وبلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وكان ذلك بالْجِعِرَّانَةِ كما أفاده الحافظ فِي الفتح. قال فِي"عمدة القاري":"هَذَا تَعْلِيقٌ وَهُوَ طَرَفٌ من حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي. وأوَّله عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّة وَالمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلاَ تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ: «أَبْشِرْ» الحَدِيث"اهـ (3) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: جَوَازُ اسْتِعْمَالِ القَدَحِ وغيره من الأَوَانِي الخَشَبِيَّةِ، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ القَدَحِ، وهو كما قال ابن الأثير:"الإنَاءُ الذي يُؤْكَلُ فيه، وأكثر ما يكون من الخَشَبِ مع ضِيْقٍ فيه".
ثانيًا: جَوَازُ الشُّرْبِ من المَاءِ الذي مُجَّ فيه والإِفْرَاغِ مِنْهُ على الوُجُوهِ والنُّحُورِ.
ثالثًا: تَبَرُّكُ الصَّحَابَةِ بآثَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما دَلَّ عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصَّحِيْحَةِ.
والمطابقة: في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا" (4) .
(1) أي غَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ تَبَرُّدًَا بِالمَاءِ لا وُضُوءًَا.
(2) كما أخرجه البُخَارِيّ تعليقًا فِي"بَابُ اسْتِعْمالِ فَضْل وَضُوءِ النَّاسِ".
(3) أيْ قال لِبِلالٍ وأبِي مُوْسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما"اشربا منه"الخ."عمدة القاري": (بابُ اسْتِعْمالِ فَضْل وَضُوءِ الناسِ) ج 3 ص 75.
(4) قَالَ العَيْنِيُّ فِي"عمدة القاري":"قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ هَذَا من الْوُضُوءِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مثل من اسْتَشْفَى بِالْغسْلِ لَهُ فَغسل. قلت:"أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنه لَا مُطَابقَة لَهُ للتَّرْجَمَة، وَلَكِن فِيهِ مُطَابقَةٌ من حَيْثُ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا غَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ فِي الْقَدَحِ صَارَ المَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَكِنَّهُ طَاهِرٌ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمَا أَمر بِشُرْبِهِ وإفْرَاغِهِ على الْوَجْهِ والنَّحْرِ، وَهَذَا المَاءُ طَاهِرٌ وطَهُورٌ أَيْضًا بِلَا خِلافٍ، وَلكنَّهُ إِذا وَقَعَ مثل هَذَا من غَيْرِ النَّبِيِّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يكون المَاءُ على حَالِهِ طَاهِرًا، وَلَكِنْ لَا يكون مُطَهِّرًا على مَا عُرِفَ"اهـ. (بَابُ اسْتِعْمالِ فَضْل وَضُوءِ النَّاسِ) ج 3 ص 75."