فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 2668

ثانيًا: نَجَاسَةُ الكَلْبِ وَنَجَاسَةُ سُؤْرِهِ وكُلُّ مَا خَرَجَ مِنَهُ، وبِهذا قال الجمهور، لأَنَّ العِلَّةَ عندهم فِي غَسْلِ الإناء تَنَجُّسِهِ بِسُؤْرِ الكَلْبِ الذي وقع فيه، ومِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ النَّجَاسَةَ هي العِلَّةُ فِي الأمْرِ بِغَسْلِهِ مَا روي عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاَهُنَّ بِالتُّرَابِ" (6) فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ"يَدُلُّ على نَجَاسَةِ الإِنَاءِ الذي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ -لأنَّ الطَّهْورَ والطَّهَارَةَ مَعْنَاهُمَا إزالة النَّجَاسَةِ، فيكون معنى الحديث أَنَّ تَطْهِيرَ الإِنَاءِ الذي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، وإزالة النَّجَاسَةِ منه لا تكون إلّا بِغَسْلِهِ سَبْعًَا، ومعنى ذلك أَنَّ الإِنَاءَ قَدْ تَنَجَّسَ، وأنَّهُ لا يَطْهُرُ إلاّ بِغَسْلِهِ سَبْعًَا، فَالعِلَّةُ إِذَنْ هي النَّجَاسَةُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جُمْلَةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا تَعَبُّدًا وَاسْتِحْبَابَا أَيْضًا لَا إِيجَابًا قَالَ: وَلَا بَأْسَ عِنْدَهُ بِأَكْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ اللَّبَنِ، وَالسَّمْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُهْرِيقَ مَا وَلَغَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ"اهـ (7) . وقال فِي"مواهب الجليل":"وَقَوْلُهُ: إنَاءُ مَاءٍ يَعْنِي أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْغَسْلِ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا وَلَغَ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ. وَأَمَّا إذَا وَلَغَ فِي إنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ، أَوْ مَا لَيْسَ فِي إنَاءٍ بَلْ فِي حَوْضٍ، أَوْ بِرْكَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْدَبُ غَسْلُ إنَاءِ الطَّعَامِ، وَلَا الْحَوْضِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ .... وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَوَجَّهَ سَنَدٌ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ الْغَسْلَ تَعَبُّدٌ؛ لِأَنَّ لُعَابَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ فَيَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ» إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْأَغْلَبِ وَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْأَوَانِيَ الَّتِي تَبْتَذِلُهَا الْكِلَابُ هِيَ أَوَانِي الْمَاءِ لَا أَوَانِي الزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَشِبْهِهِ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهَا مُصَانَةٌ فِي الْعَادَةِ"اهـ (8) ."

وقد كشف الطِّبُّ الحَدِيثُ عن وُجُودِ جُرْثُومَةٍ مَرَضِيَّةٍ فِي الكَلْبِ هِيَ جُرْثُومَةُ الكَلْبِ التي تَنْتَقِلُ عن طَرِيقِ العَدْوَى من الكَلْبِ المُصَابِ بِهذا المرض إلى الإِنْسَانِ فَيُصَابُ بِهذا المَرَضِ الخَبِيثِ وهِيَ لا تَزُولُ من الأَوَانِي إلا بِتَعْفِيرِهَا ثُمَّ دَلْكِهَا بِالتُّرَابِ، وبذلك فَقَدْ أصْبَحَتِ الِعلَّةُ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ بالتُّرَابِ إِنَّمَا هي أَمْرٌ صِحِّيٌّ وهو الوِقَايَةُ من العَدْوَى ولا علاقة لذلك بِالنَّجَاسَةِ.

والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ من لفظ الحديث.

(1) قال فِي "البدر المنير":"فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الإِناء، ... » ورجالها ثِقَات. كَمَا قَالَه صَاحب «الإِمام» . وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة للشَّافِعِيِّ، (وَالبَيْهَقِيّ) : «أُولاهن - أَو أُخراهن - بِالتُّرَابِ» . قال الشيخ الأَلْبَانِيّ: "صحيح؛ لكن قوله السَّابِعَة شَاذٌّ؛ والأرْجَحُ الأُوْلَى بِالتُّرَابِ"."

(2) "شرح زاد المستقنع"للشنقيطي: [باب إزالة النجاسة] ج 1 ص 350.

(3) "الإحكام شرح أصول الأحكام"ج 1 للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحَنْبَلِيِّ النَّجْدِيِّ المُتَوَفَّى سنة 1392

(4) قال فِي"سنن أبِي داود": ( [حكم الألباني] : صحيح لكن قوله السابعة شاذ والأرجح:"الأُوْلَى بِالتُّرَابِ") . ويَكْفِي غَسْلُهُ ثَلاثًَا كما فِي"عون المعبود".

(5) "الإحكام شرح أصول الأحكام"للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي الحنبلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت