الْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَى عَنه: بكر بْن الأسود، وخالد بْن سلمة بْن العاص بْن هشام، والسائب والد مُحَمَّد بْن السائب النكري، وشعبة بْن الحجاج، وعبد الله بْن عُمَر الْقُرَشِيّ، وابنه عَمْرو بْن سَعِيد بْن عَمْرو الْقُرَشِيّ، ومحمد بْن السائب النكري، فيما قيل. قال أَبُو زُرْعَة، والنَّسَائِيّ:"ثِقةٌ". وَقَال أبو حاتم:"صَدوقٌ". وَقَال الزبير بن بكر: كان من علماء قريش بالكوفة، وولده بها. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ". وذكره مُحَمَّد بْن سعد في الطبقة الثالثة من كتابه الكبير، وفي الرابعة من كتابه الصغير. ذكر بن عساكر أنه بقي إلى أنَّ وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك (2) .
الحديث: أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ.
معنى الحديث: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"اتَّبعْتُ"بِتَشْدِيدِ التَّاءِ"اتبَّعْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ سِرْتُ وَرَاءَهُ"وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ"أيْ وكَانَ قَدْ خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ."فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ"أيْ فَكَانَ من عَادَتِهِ وحُسْنِ سُلُوكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ لا يُلْتَفِتُ أثْنَاءَ سَيْرِهِ إلاّ لِضَرُورَةٍ وحَاجَةٍ لأَنَّ كَثْرَةَ الالْتِفَاتِ دُونَ سَبَبٍ أو عُذْرٍ يَقْتَضِيهِ لَوْنٌ من أَلْوَانِ العَبَثِ، وأَفْعَالُ العُقَلاءِ تُصَانُ عن العَبَثِ، ثُمَّ هُوَ يَدُلُّ على الحَمَاقَةِ والطَّيْشِ والرُّعُونَةِ، وحَاشَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك."فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: ابْغِني أَحْجَارًا أسْتَنْفِضْ بِهَا" (3) الاسْتِنْفَاضُ هنا كناية عن الاسْتِنْجَاءِ بِالحِجَارَةِ، أي اطْلُبْ لِي ثَلاثَةَ أَحْجَارٍ وأَحْضِرْهَا لِكَي أَسْتَنْجِي بِها"وَلَا تَأْتِنِي بعَظْمٍ ولا رَوْثٍ"أي وَأَنْهَاكَ عَنْ أَنْ تُحْضِرَ لِي شَيْئًَا من العَظْمِ أو الرَّوْثِ (4) لأنَّهُ لا يَجُوزُ الاسْتِنْجَاء بِهِمَا لِنَجَاسَةِ الرَّوْثِ، وعَدَمُ صَلاحِيَةِ العَظْمِ للإنْقَاءِ وإِزَالةِ النَّجَاسَةِ وتَنْظِيفِ المَحِلِ، قَدْ يَكُونُ هذا هو سَبَبُ النَّهْيِّ عَنْهُما أوْ لأَنَّهُمَا طَعَامُ الْمُؤْمِنِينَ من الجِنِّ؛ كما ثَبَتَ ذلك فِي الأحاديث. فَقَدْ رُويَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"قَدِمَ وَفْدُ الجِنِّ على النَّبِيّ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ انْه أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أو رَوْثَةٍ أو حَمَمَةٍ (5) ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَنَا فِيهِ رِزْقًا. قَالَ: فنهى النَّبِيّ (عنها) " (6) . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ"رواه التِّرْمِذِيّ (7) .
قال:"فَأتَيْتُهُ بأحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيابِي"أيْ فَأتَيْتُهُ ببعض الأحْجَارِ أحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثِيابِي"فَوَضَعْتُهَا إلَى جَنْبِهِ، وأعْرَضْتُ عنه"أي ابْتَعَدتَّ عَنْهُ"فلَمَّا قَضَى"أيْ فَلَمَّا انْتَهَى من قَضَاءِ حَاجَتِهِ"أتْبَعَهُ بِهِنَّ"وهو كِنَايَةٌ عن الاسْتِجْمَارِ أيْ فَلَمَّا فَرَغَ من حَاجَتِهِ اسْتَنْجَى واسْتَجْمَرَ بتلك الأحْجَارِ التي أَحْضَرْتُهَا لَدَيْهِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ الاسْتِجْمَارِ وجَوَازُ الاسْتِغْنَاءِ بِالحِجَارَةِ عن المَاءِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ابْغِني أَحْجَارًا أسْتَنْفِضْ بِهَا"وقد ذَهَبَ الإِمَامُ أحْمَدُ وأهْلُ الظَّاهِرِ:"إلى أَنَّ الاسْتِجْمَارَ لا يكون إلاّ بِالأحْجَارِ خَاصَّةً، لأنَّهَا هِيَ المَنْصُوْصِ عليها فِي لفظ الحديث". والجُمْهُورُ على جَوَازِ الاسْتِجْمَارِ بِكُلِّ جَامَدٍ طَاهِرٍ مُنَقٍّ غَيْرِ مَطْعُومٍ ولا مُحْتَرَمٍ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْه إلاّ عن العَظْمِ والرَّوْثِ، وذلك لِكَوْنِهِمَا مَطْعُومَيْنِ للجِنِّ، ولِكَوْنِ العَظْمِ غَيْرَ مُنَقٍّ، فَكُلُّ مَا كان مُطَهِّرًَا مُنَقِّيًَا غَيْرَ مَطْعُومٍ لآدَمِيٍّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الاسْتِجْمَارَ بِهِ. قال فِي"مواهب"