فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 2668

"الْجَامِعُ الصَّحِيحُ - أو صَحِيحُ البُخَارِيّ"

صِحَّتُهُ: لا شَكَّ أنَّ هذا الجامع الصحيح المشهور بصحيح البُخَارِيّ هو أجل كتب الإِسلام بعد كتاب الله شأنًا وأعلاها منزلةً، وأصح كتب الحديث على الإطلاق، وهو الكتاب الذي خلّد اسم البُخَارِيّ، ودَخَلَ به التَّارِيخَ من أوْسَعِ أَبْوَابِهِ، وأصبح ذكره على كُلِّ لِسَانٍ على مَرِّ العُصُورِ والأَزْمَانِ، لأنَّه خَطَا فِي كتابه هذا خُطْوَةً عظيمة وانفرد بِميزة لَمْ يشاركه فيها غيره، حيث اقتصر فيه على أصَحِّ الصَّحِيحِ من حديث رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد كان المحدثون قبله لا يعنون إلا بِجَمْعِ ما وصل إليهم من الحديث، تاركين البحث عن رواته إلى القُرَّاءِ، فلما ظهر البُخَارِيّ أراد أَنْ يُجَرِّدَ الصَّحِيحَ من الأحاديث فِي كتاب على حِدَةٍ، ليريح الطالب من عناء البحث، فأَلَّف كتابه هذا الذي اقتصر فيه على الحديث الصَّحِيحِ، الذي ينطبق عليه شَرْطُهُ هو دُونَ سِوَاهُ، قال ابن الصلاح:"أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحيحَ البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسْماعيلَ الْجُعْفِيُّ مولاهُم، وتلاهُ أبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ القُشَيْريُّ مِنْ أَنْفُسِهِم. ومسلمٌ معَ أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ واستفادَ منهُ يشاركُهُ في أكثرِ شيوخِهِ. وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ اللهِ العزيزِ ... ثُمَّ إنَّ كتابَ البخاريِّ أَصحُّ الكتابَيْنِ صحيحًا وأكثرُهُما فوائدَ"اهـ ..

فصحيح البُخَارِيّ أصَحُّ من صَحِيحِ مُسْلِمٍ، لأَنَّ شَرْطَ البُخَارِيّ أَقْوَى، فقد اشْتَرَطَ فِيمَا يُخْرِجُهُ من الأحاديث"اللقيا"بين الرَّاوِي ومَنْ رَوَى عنه، بَيْنَمَا لَمْ يشترط مُسْلِمٌ سوى"المُعَاصَرَةِ بَيْنَهُمَا"، ولهذا قال القَسْطَلانِيّ:"أمَّا رجحانه من حيث الاتِّصالِ فلاشْتِرَاطِهِ أنْ يكون الرَّاوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مَرَّةً، واكتفى مُسْلِمٌ بِمُطْلَقِ المُعَاصَرَةِ"اهـ. ولهذا أجْمعوا على أنَّهُ أَصَحَّ الكتب بعد كتابِ اللهِ تَعَالَى. وَقَالَ خَلَفٌ الخيَّامُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيْمَ بنَ مَعْقِلٍ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: كُنْتُ عندَ إِسْحَاقَ بنِ رَاهْوَيْه فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ جمعتُم كِتَابًا مختصِرًا لسُنَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلبِي فَأَخذتُ فِي جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ. وَعَنْ ... أَنَّ البُخَارِيَّ قَالَ: أَخرجتُ هَذَا الكِتَابَ من زهاء ستمائة أَلْفِ حَدِيْثٍ.

و ... سَمِعْتُ أَبَا الهَيْثَمِ الكُشْمِيهَنِيَّ، سَمِعْتُ الفِرَبْرِيَّ يَقُوْلُ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ:"مَا وضعتُ فِي كِتَابِي"الصَّحِيْحِ"حَدِيْثًا إلَّا اغتسلتُ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ". عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَارس قَالَ سَمِعت البُخَارِيّ يَقُول:"رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكأنني وَاقِف بَين يَدَيْهِ وَبِيَدِي مروحة أذُبُّ بهَا عَنهُ فَسَأَلتُ بعض المُعَبِّرِينَ فَقَالَ لي: أَنْت تذب عَنهُ الْكَذِب، فَهُوَ الَّذِي حَملَنِي على إِخْرَاج الْجَامِع الصَّحِيح" (1) .

وقد تَحَرَّى فِي صحته ما أمكنه التحري وبذل في ذلك أقصى الجهد ومكث فيه سنوات طويلة، قال رحمه الله:"صنفت الجامع فِي سِتِّ عَشْرَةَ سنة، وجعلته حُجَّةً فيما بيني وبين الله، ما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت