فهرس الكتاب

الصفحة 2635 من 2668

الْمُحْصَنُ يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ. عُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا، وَرَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ وَامْرَأَةً مِنْ عَامِرٍ مِنَ الْأَزْدِ» كُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرْوُوا أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَدَّ الْأَصْغَرَ يَنْطَوِي فِي الْحَدِّ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، فَلَمْ يُخَصَّ مُحْصَنٌ مِنْ غَيْرِ مُحْصَنٍ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ:"أَجْلِدُهَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأَرْجُمُهَا بِسُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (2) . وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي"صحيح مسلم"، قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ، وَالرَّجْمُ) اهـ (3) ."

ثانيًا: أنَّ جريمة الزِّنا تثبت بإقرار الزَّاني على نفسه كما في هذا الحديث، لأنَّ المرء يؤخذ بإقراره، والإِقرار سيّد الأدلة، والحديث صريح في ذلك، حيث حكم النَّبِيّ على الزَّاني بالرَّجم بموجب إقراره.

قال فِي"تَيْسِير العَلَّام":"اختلف العلماء هل يشترط تكرار الإِقرار بالزِّنا أربع مرات، أو لا؟ فذهب الإمام أحمد وجمهور العلماء ومنهم الحكم وابن أبي ليلى والحنفية إلى أنَّه لا بد من الإقرار أربع مرات مستدلّين بهذا الحديث، فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُقِمْ على ماعز الحَدَّ إلا بعد أنَّ شهد على نفسه أربع مرات. وقياسًا على الشَّهادة بالزِّنا فإنَّه لا يقبل إلاّ أربعة شهود، ولا يشترط أنْ تكون الإقرارات في مجالس، خلافًا للحنفية. وذهب مالك والشَّافِعِيّ وأبو ثور وابن المنذر إلى أنَّه يكفي لإقامة الحد إقرار واحد، لحديث"اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ؛ وإِنَّمَا اعترفت مرة واحدة، وأجابوا عن حديث ماعز بأنَّ الرُّوايات في عدد الإقرارات مضطربة، فجاء أربع مرات، وجاء مرتين، أو ثلاثًا"اهـ (4) .

قال فِي"المُحَلَّى":"مَسْأَلَةٌ: بِكَمْ مِنْ مَرَّةٍ مِنْ الْإِقْرَارِ تَجِبُ الْحُدُودُ عَلَى الْمُقِرِّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً تَجِبُ إقَامَةُ الْحُدُودِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ؛ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ حَدُّ الزِّنَى بِإِقْرَارِهِ حَتَّى يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَطْعِ، وَالسَّرِقَةِ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدُّ الْخَمْرِ مَرَّتَيْنِ - وَأَمَّا فِي الْقَذْفِ فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت