فهرس الكتاب

الصفحة 2632 من 2668

وَرِجْلَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ، وَقِيلَ: إنَّ تَفْسِيرَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ: أَنْ يَقْطَعَهُ الْإِمَامُ، وَلَا يَحْسِمُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ، بَلْ يَتْرُكُهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَعِنْدَهُمَا يُقْتَلُ، وَلَا يُقْطَعُ، وَمَنْ أَخَافَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا، وَلَا قَتَلَ نَفْسًا يُنْفَى"اهـ (7) ."

وقال بعض الفُقَهَاء: إنَّ (أَوْ) فِي الآية للتَّخْيِيرِ فالإِمام مخيّر فِي الحكم على المحاربين بأي حكم من الأحكام التي أوجبها الله تعالى من: القتل أو الصَّلب أو القطع أو النَّفيِّ لظاهر الآية الكريمة. وهذا قول مجاهد والضَّحاك والنخعي، وهو مذهب المالكية. إلاّ أنَّ التخيير عندهم مُقَيَّدٌ بِحُدُودِ خَاصَّةٍ، ولَيْسَ على إطْلاقِهِ:

فقد قال مَالِكٌ:"الإِمام بنص الآية مُخيّرٌ فِي تطبيق أي جزاء على المحارب حسب اجتهاده، وما يرى فيه المصلحة؛ إلاّ القاتل فإنَّ المحارب إذا قتل لا بد من قتله، وليس للإِمام تخيير في قَطْعِهِ، ولا فِي نفيه، وإِنَّمَا التخيير فِي قتله أو صلبه. وإذا أخذ المال ولَمْ يقتل فلا تخيير في نفيه، ويُخير الإمام في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. وأمّا إذا أخاف السَّبيل فقط، فالإمام مخير فِي قتله وصلبه وقطعه ونفيه، بمعنى أنَّ للإِمام الحَقُّ في استعمال العقوبة الأشد لا في استعمال الأخف"اهـ (8) . قال فِي"المبسوط للسرخسي":"وَلَمْ نَأْخُذْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَافَ السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلْ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قَدْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْقَتْلِ وَالْقَطْعُ أَغْلَظُ الْعُقُوبَاتِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهُ عَلَى مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يُبَاشِرْ"اهـ (9) .

واختلف الفُقَهَاء في عقوبة النَّفي ما هي؟"فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ:"يُخْرَجُ مِنْ بَلَدِ الْجِنَايَةِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى"؛ زَادَ مَالِكٌ فَيُحْبَسُ فِيهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَبْسِ إِقَامَةٌ فَهُوَ ضِدُّ النَّفْيِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النَّفْيِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْبَلَدِ وَقَدْ قُرِنَتْ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ بِالْقَتْلِ قَالَ تَعَالَى:"وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ". وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ اسْتِمْرَارُ الْمُحَارَبَةِ فِي الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى. فَانْفَصَلَ عَنْهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهَا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَكْفِيهِ مُفَارقَة الوطن وَالْعشيرَة خذلانًا وذلًا"اهـ (10) . وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"النَّفيَّ هو السَّجْن، لأن السَّجْن خروج من سَعَةِ الدُّنْيَا إلى ضيقها، فصار كأنَّه نُفِيَ من الأرض"، وقد قال بعض الشعراء:

خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا وَلاَ الأحيَا

إذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيَا

ثانيًا: دَلَّ هذا الحديث على أنَّ قاطع الطَّريق إذا قتل وأخذ المال، فإنَّه يجوز للإمام أنْ يقطع يده ورجله من خلافٍ، ويقتله كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالْعُرَنِيِّينَ حيث"قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت