وكان أوَّلُ من اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْد الْعَزِيزِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بِجمع الحديث، إمام المحدِّثين فِي ذلك العصر محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ، فكتب فرائد فِي علم الحديث، حتى عدّه بعضهم واضع مصطلح الحديث. وكان أوَّل من جَمْعَ الأحاديث والآثار. ثُمَّ اقتفى المحدِّثون أثره ونهجوا نهجه، واقتصروا في أوَّلِ الأمرِ على مجرد تدوين الحديث وجَمْعه، ثُمَّ خطوا خطوة جديدة انتقلوا فيها من مرحلة التدوين إلى مرحلة التَّنْسِيقِ والتَّرْتِيبِ الفِقْهِي، فوزعوا الأحاديث على أبواب الفقه الإسلامي، فهذا كِتَابُ الصَّلاةِ وأبْوَابِهَا، وهذا كِتَابُ الزَّكَاةِ وأبْوَابِهَا، وهذا كِتَابُ الصَّوْمِ وأبْوَابِهِ، وهكذا إلى آخره. وكان من الروّاد الأوائِل فِي تنسيق الأحاديث وترتيبها ابن جريج ومالك وعبد الله بن المبارك وعبد الرزّاق (2) ، ثُمَّ جاء من بعدهم النَّسَائِيّ وابن ماجة وغيرهم، وفِي مقدمتهم الإِمَامَان الجليلان محمد بن إسْماعيل البُخَارِيّ ومسلم ابن الحجاج القشيري.
البُخَارِيّ، نسبه، ولادته، نشأته:
البُخَارِيّ هو حجة الإسلام وقدوة الأَنام وأمير المُحَدِّثِينَ الأَعْلام، أبو عبد الله مُحَمَّد بن إسْماعيل بن المغيرة بن"بَرْدِزْبَة" (3) الْجُعْفِيِّ، أَسلم جدّه المغيرة على يد ابن اليمان الْجُعْفِيِّ والي بُخَارَى، ولذلك نُسِبَ إليه. وكان والده إسْماعيل من ثقات المُحَدِّثِينَ، كما ترجم له ابن حبان، وذكر عنه البُخَارِيّ أنه سَمع من مالك، وصحب ابن المبارك، وكان مُحَدِّثًا ورعًا صَالِحًا تقيًا.
ولد البُخَارِيّ عند صلاة الجمعة من اليوم الثالث عشر من شوال سنة 194 هـ ببلدة بُخَارَى من أسرة كريمة. وقَدَّرَ اللهُ أنْ ينشأ يتيمًا فِي حِجْرِ أمّه، وكانت صَالِحَة فأَنْفَقَتْ عليه من مال أبيه، وأحسنت تربيته فنشأ نشأة علمية صالحة، ولاحظته العناية الْإِلَهِيّة منذ صغر سنه، فقد روي أنّه ذهبت عيناه في صغره، فأخذت أمُّه تَضَرَّعُ إلى الله تعالى، وتبتهل إليه حتَّى استجاب دعاءها وردّ إليه بصره.
وأسلمته أمه إلى الكُتَّابِ، فحفظ فيه القرآن الكريم، وظهرت عليه آثار النَّجَابَةِ، ورزقه الله تعالى قلبًا واعيًا، وحافظة قوية، وألهمه حفظ الحديث، فأخذ منه بِحَظٍ وَافِرٍ وهو لَمْ يبلغ العاشرة من عمره، وتَرَدَّد على علماء بلده. وما إنْ بلغ السَّادِسَة عشر من عمره حتَّى كان قد حفظ عددًا كبيرًا من كتب الأئمة وكيع وابن المبارك وغيرهما من أعلام عصره.
رَحَلاتُهُ العِلْمِيَّةُ:
كان البُخَارِيّ واسع الطموح قوي الرَّغْبة فِي طلب العلم، أفنى عمره كله فِي رحلته الطويلة بين العواصم الإسلامية للالتقاء بِالمُحَدِّثِينَ والسَّمَاع منهم، فبدأ رحلته بِالحَجِّ برفقة أمّه وأخيه أحمد الذي كان أكبر منه سنًّا.