في فلسطين سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ خَمْسٍ وَسبْعِينَ سَنَةً، وَلَهُ بَقِيَّةٌ وَعَقِبٌ فِي بَيْتٌ الْمَقْدِسٌ.
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ والتِّرْمِذِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ:"أي إذا اقترفت أيها العَبْدُ خَطِيئَةً وأَرَدْتَّ الاسْتِغْفَارِ فَإِنَّ لك أَنْ تَسْتَغْفِرَ بأيٍّ لفظٍ شئت، فلو قلت:"اللَّهُم اغْفِرْ لِي"أو"أَسْتَغْفِرُ اللهَ"مع التَّوْبَةِ الخَالِصَةِ، كان ذلك حَسَنًَا مقبولًا إنْ شَاءَ اللهُ، ولكنْ كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ"أيْ أَنَّ أفْضَلَ أدْعِيَةُ الاسْتِغْفَارِ وأكثرها نَفْعًَا"أن تقول:"اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"أيْ لا مَعْبُودَ لِي سُوَاكَ، ولا مَلْجَأ لِي إلا إليك"خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ"أيْ أَنْتَ المُسْتَحِقُّ للعبادة لأنَّك أَنْت وحدك خالقي"وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ"أي وأنا ملتزم بِالوَفَاءِ بِعَهْدِكَ الذي أَخَذْتَهُ على بَنِي آدَمَ حين أَخْرَجْتَهُم من ظُهُورِ آبَائِهِم (3) ، وقلت لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا: بَلَى) وبِالوَّعْدِ الذي جَاءَ على لِسَانِ نَبيك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"؛"مَا اسْتَطَعْتُ"أي على قَدْرِ اسْتِطَاعَتِي، وفِي حدود طَاقَتِي البَشَرِيَّةِ. قال الحافظ:"وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ الِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ كُنْهِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّهِ تَعَالَى. وَقَالَ بن بَطَّالٍ: قَوْلُهُ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ يُرِيدُ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بربكم فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَبِالْوَعْدِ مَا قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ"اهـ (4) ."
"أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ"أي ألجأ إليك أنْ تجيرني من عقوبة ما اقترفته من الذنوب والآثام."أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ"أي أعترف لك بنعمتك العظمى؛ وَأَصْلُهُ الْبَوَاءُ وَمَعْنَاهُ اللُّزُومُ وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلًا إِذَا أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ."وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي"أي وأعترف بذنبي العَظِيم؛"فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"أي فَإِنَّ ذُنُوبِي لا يَمْلِكُ العَفْوَ عنها سِوَاكَ؛ فَأنْتَ غَافِر الذَّنْبِ، وقَابِل التَّوْبِ، شَدِيد العِقَابِ ذُو الطَّوْلِ. ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"أي من قال هذه الكلمات مُخْلِصًَا من قلبه، مُصَدِّقًَا بِثَوَابِهَا، مُؤمِنًَا بِمَضْمُونِهَا إجْمَالًا وتَفْصِيلًا؛ فَمَاتَ قبل المَسَاءِ، فهو من أهْلِ الجَنَّةِ. قال القاري:"أيْ يَمُوتُ مُؤْمِنًَا، فَيَدْخُل الجَنَّةَ لا مَحَالَةَ أو مع السَّابِقِينَ"، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ:"إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"وكذلك من قَالَهَا من اللَّيلِ كما فِي آخر الحديث.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: