ثالثًا: تَحْرِيمُ التَّجَسُّسِ على النَّاسِ، وتَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِم لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وَلَا تَجَسَّسُوا"، ويُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْضُ الحَالاتِ كَالتَّجَسُّسِ على العَدُوِّ الكَافِرِ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ الزُّبَيْرَ إلى الأَعْدَاءِ لِيَطَّلِعَ على أَحْوَالِهِم، وكذلك إذا أصْبَحَ التَّجَسُّسُ وَسِيلَةً لإِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الهَلاكِ فهو مَنْدُوبٌ إليه.
رَابِعًَا: دَلَّ هذا الحديثُ على أنَّهُ يَجِبُ على المُسْلِمِ المُحَافَظَةَ على العِلاقَاتِ الوِدِّيَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إِخْوَانِهِ، وأَنْ يَتَجَنَّبَ الأَسْبَابُ المُؤَدِّيَةِ إلى العَدَاوَةِ بينه وبينهم من السِّبَابِ، والشَّتَائِمِ، وسُوءِ المُعَامَلَةِ، والغِيبَةِ، والنَّمِيمَةِ، واحْتِقَارِ الآخَرِينَ، وجَرْحِ مَشَاعِرِهِم، وعلى وُجُوبِ ضَبْطِ النَّفْسِ، والتَّحَكُمِ فِي مَشَاعِرهَا. وأَنْ لا يَسْتَسْلِمَ المُسْلِمُ لِعَاطِفَةِ البُغْضِ والكَرَاهِيَةِ فِي إيْذَاءِ النَّاسِ والتَّعَدِّي عليهم، كما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلاَ تَبَاغَضُوا".
خَامِسًَا: أنَّهُ يَحْرُم على المُسْلِم أَنْ يَسْتَجِيبَ لِمَشَاعِرِ الحَسَدِ وأَنْ يُقَاوِمَهُ مَا اسْتَطَاعَ، ويَسْتَغْفِرَ اللهَ مِنْهُ، فَإنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذلك لَمْ يَأْثَمْ، وصَرَفَهُ اللهُ عنه، كما أَرْشَدَنَا إلى ذلك رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال:"إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ" (وهو ضعيف كما ذكرنا) ، وليس المُرَادُ بِالاسْتِغْفَارِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِلِسَانِهِ فَقَطْ، وإِنَّمَا المُرَادُ بِهِ الإِحْسَاسُ بِالنَّدَمِ، والعَزْمُ والتَّصْمِيمُ على مُقَاوَمَةِ هذا الشُّعُورِ البَغِيضِ، والالْتِجَاءُ إلى اللهِ بِقُبُولِ التَّوْبَةِ.
سَادِسًَا: أنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَهْجَرَ المُسْلِمُ أَخَاهُ المُسْلِمَ وَيُقَاطِعَهُ لِغَرَضٍ من أَغْرَاض الدُّنْيَا، وقَدْ جَاءَ فِي الحديث عن أبِي أَيُّوبَ الأنْصَاريِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وأَجْمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّهُ من خَافَ من مُكَالَمَةِ أحدٍ وصِلَتِهِ مَا يُفْسِدُ عليه دِينَهُ أو مَضَرَّةٍ فِي دُنْيَاه يَجُوزُ له مَجَانَبَتَهِ، ورُبَّ هَجْرٍ خَيْرٌ من مُخَالَطَةِ مَنْ يُؤْذِيهِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ"فإنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) ، وفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضًا:"فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ"وهو مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وتَوْضِيحٌ له.
(1) قال فِي"مجمع الزوائد":"رواه الطَّبَرَانِيّ في الكبير وفيه من لم أعرفه".
(2) والكلمتان بِمعنى واحد.
(3) "تفسير القرطبي":"الآية 12 سورة الحجرات"ج 16 ص 330.