الأَقْوَالِ، وأَبْعَدِهَا عن الحَقِيقَةِ، فإيَّاكُم أَنْ تَتَحَدَّثُوا به من غير دَلِيلٍ تَسْتَنِدُونَ إليه."وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا" (2) أيْ لا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ."وَلاَ تَنَاجَشُوا"أيْ لا يَزِدْ أَحَدُكُم على أَخِيهِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ دُونَ رَغْبَةٍ فِي شِرَائِهَا لَيَخْدَعَ المُشْتَرِي،"وَلاَ تَحَاسَدُوا"أيْ لا يَحْسُدُ بَعْضُكُم بَعْضًَا فَيَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، سَوَاءٌ تَمَنَّى انْتِقَالِهَا إليه، أو لا، قَالَ تَعَالَى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ - إلى أَنْ قَالَ سُبْحَانَهُ - وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) "وَلاَ تَبَاغَضُوا"أيْ اجْتَنِبُوا الأَسْبَابَ المُؤدِّيَةِ إلى البُغْضِ والتَّنَافُرِ فِيمَا بَيْنَكُم من الشَّتْمِ وسُوُءِ المُعَامَلَةِ ونحو ذلك، أو لا تَسْتَسْلِمُوا لِمَشَاعِرِ البُغْضِ والكَرَاهِيَةِ، وتُنَفِّذُوا مَا تَدْعُوكُم إليه من إيذاء الناس وظلمهم إلخ، فَإِنَّ ذلك فِي مَقْدُورِكُم"وَلاَ تَدَابَرُوا"أيْ لا يَهْجُرُ بَعْضُكُم بَعْضًَا من الإِدْبَارِ، وهو الإِعْرَاضُ المُؤَدِّي إلى العَدَاوَةِ والقَطِيعَةِ."وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: تَحْرِيمُ العَمْلِ بِسُوءِ الظَّنِّ الذي لا يَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ والاسْتِجَابَةِ لَهُ فِي تَوْجِيهِ التُّهْمَةِ إلى المُسْلِمِينَ لِمُجَرَّدِ خَاطِرٍ نَفْسِيٍّ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ:"قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَالظَّنُّ هُنَا وَفِي الْآيَةِ هُوَ التُّهْمَةُ. وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تُهْمَةٌ لَا سَبَبَ لَهَا يُوجِبُهَا، كَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الظَّنِّ هُنَا بِمَعْنَى التُّهْمَةِ قَوْلِ تَعَالَى:"وَلا تَجَسَّسُوا"وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ ابْتِدَاءً وَيُرِيدُ أَنْ يَتَجَسَّسَ خَبَرَ ذَلِكَ ويَبْحَثَ عنه، ويَتَبَصَّرَ ويَسْتَمِعَ لِتَحَقُّقِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ. فَنَهَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَالَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كَانَ حَرَامًَا وَاجِبَ الاجْتِنَابِ"اهـ (3) .
فَيَنْبَغِي للمُسْلِمِ إذا ظَنَّ ظَنًَّا سَيِّئًَا لا دَلِيلَ عليه أْنْ لا يُحَقِّقَهُ بِالعَمَلِ والقَوْلِ فَقَدْ جَاءَ فِي الحديث عن حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ لَازِمَاتُ أُمَّتِي: الطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ، وَسُوءُ الظَّنِّ". فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يُذْهِبُهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ هُنَّ فِيهِ؟ قَالَ:"إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَتَحَقَّقُ، وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ (4) .
ثانيًا: (قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:"اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْمٌ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ فِي الْأَحْكَامِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّدٍ عَنِ الدَّلِيلِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ"، وَقَالَ النَّوَوِيُّ:"لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِالظَّنِّ الِاجْتِهَادَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا بَلِ الِاسْتِدْلَالُ لَهُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ". وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفَهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بُطْلَانُهُ فَلَا لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ) اهـ (5) .