ثانيًا: دَلَّ هذا الحَدِيثِ على مَشْرُوعِيَّةِ العِلاجِ، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا بِأَنَّ الذي خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ تَنْبِيهًَا لنا وإرْشَادًَا وتَرْغِيبًَا فِي التَّدَاوِيّ، وقَدْ أَمَرَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك صَرَاحَةً فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ» "اهـ (5) . واسْتِعْمَالُ الأدْوِيَةِ لا يُنَافِي التَّوَكُّلَ إذا اعْتُقِدَ أنَّهَا تَنْفَعُ بإذْنِ اللهِ وتَقْدِيرِهِ، وأنَّهَا لا تُؤثِّرُ إلاّ بِإرَادَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وفِي هذه الأحاديث إِثْبَاتٌ للطِّبِّ والعِلاجِ، وأَنَّ التَّدَاوِيّ مُبَاحٌ غَيْرَ مَكْرُوهٍ كما ذهب إليه بَعْضُ النَّاسِ كما قاله الخطابي، ولو كَانَ مَكْرُوهًَا لَمَا أَمَرَ بالتَّدَاوِيّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً .. فَإِنَّ هذا الحديثُ لا يَدُلُّ على جَوَازِ التَّدَاوِيّ فَقَطْ، بَلْ يَدُلُّ على اسْتِحْبَابِهِ أيْضًَا، لأَنَّ أقَلَّ مُقْتَضِياتِ الأَمْرِ الاسْتِحْبَابُ.
ثالثًا: أَنَّ فِي هذا الحَدِيثِ وأَمْثَالِهِ تَقْوِيَةٌ لنَفْسِ المَرِيضِ، ومُسَاعَدَةٌ لَهُ على مُكَافَحَةِ المَرَضِ، وتَشْجِيعًَا لَهُ على مُقَاوَمَةِ الدَّاءِ، لأنَّهُ مَتَى اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ أَنَّ لِدَائِهِ دَوَاءٌ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالرَّجَاءِ، وتَفَتَّحَتْ له أَبْوَابُ الأَمَلِ، وزَالَ عنه اليَأْسُ والاكْتِئَابُ وهذه المَشَاعِرُ فِي حَدِّ ذَاتِهَا كَفِيلَةٌ له بِالشِّفَاءِ بِإذْنِ اللهِ؛ لأَنَّ نَفْسِيَّةَ الإنْسَانَ مَتَى قَوِيَتْ تَغَلَّبَتْ على المَرَضِ وقَهَرَتْهُ ومَتَى ضَعُفَتْ تَغَلَّبَ عليها.
والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ من لفظ الحديث.
(1) قال الحافظ: أي المرض الذي قُدِّر على صاحبه الموت فيه.
(2) قال فِي"تخريج أحاديث إحياء علوم الدِّين":"قال العراقي: رواه أحمد والطَّبَرَانِيّ من حديث ابن مسعود دون قوله: إلا"السَّام"وهو عند ابن ماجة مختصرًا دون قوله عرفه الخ وإسناده حسن. وللترمذي وَصَحَّحَهُ من حديث أسامة بن شريك إلا الهرم. وللطبراني فِي الأوسط والبزار من حديث أبي سعيد الخدري ومن حديث ابن عباس:"إلا السام"وسندهما ضعيف".
(3) قال الشيخ الأَلْبَانِيّ:"رواه النَّسَائِيّ وابن حبان وابن عساكر عن محمد بن يوسف عن سفيان عن قيس بن مُسْلِم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين". وانظر:"الطِّبِّ النَّبَوِيِّ"لابن القيم وتعليقاته للدكتور عادل الأزهري.
(4) كالسرطان ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وأمراض الأعصاب المزمنة مثلًا.
(5) أخرجه البخاري فِي"الأدب المفرد", وقال فِي"سنن الترمذي ت شاكر":"وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ [حكم الألباني] : صحيح".