والحِمْيَةُ، والحَبَّةُ السَّوْدَاءُ، والسُّعُوطُ، والحِجَامَةُ على الرَّأْسِ مِنَ الشَّقِيقَةِ والصُّدَاعِ، والكُحْلِ بِالإِثْمِد، والكَمَأةِ، ودَوَاءِ ذَاتِ الجَنْبِ، وتَجِدُ فيه من الأَدْوِيَةِ الرُّوْحِيَّةِ للجِسْمِ: رُقْيَةُ الحَيَّةِ والعَقْرَب، والعَيْن. ومن الأَدْوِيَةِ الرُّوْحِيَّةِ للجِسْمِ والنَّفْسِ مَعًَا: الرُّقْيَةُ بِالمُعَوِّذَاتِ، وفَاتِحَةُ الكِتَابِ، واسْتِخْرَاجُ السِّحْرِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قال ابن القيم:"وَلَيْسَ طِبُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَطِبِّ الْأَطِبَّاءِ، فَإِنَّ طِبَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَيَقَّنٌ قَطْعِيٌّ إلَهِيٌّ، صَادِرٌ عَنِ الْوَحْيِ وَمِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ. وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ وَظُنُونٌ وَتَجَارِبُ، وَلَا يُنْكَرُ عَدَمُ انْتِفَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْضَى بِطِبِّ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ إِنِّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَاعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ، وَكَمَالُ التَّلَقِّي لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ"اهـ (4) .
وقد عُني أئمة العلم والحديث من قديم الزَّمن بِالطِّبِّ النَّبَوِيِّ، واهتم المحدِّثون برواية ما ورد عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك وجمعه وتدوينه، فهذا مالك فِي"الموطأ"وأصحاب الكتب السِّتَّةِ قد خَصَّصُوا فِي صِحَاحِهِم كتبًا وأبوابًا خَاصَّةً بالطِّبِّ النَّبَوِيِّ؛ ومن علماء الإِسلام من ألف كتبًا خَاصَّةً بِالطِّبِّ النَّبَوِيِّ منهم: أبو بكر بن السني، وابن أبِي عاصم الذي سَمَّى كتابه:"كتاب الطب والأعراض"وعلاء الدِّين الكمال المتوفى سنة 720 هـ الذي ألف"كتاب الأحكام النبوية فِي الصِّنَاعَاتِ الطِّبِّيَّةِ". ومِمَّن ألَّفَ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ الحافظ شمس الدِّين محمد بن أحمد الذَّهَبِيّ المُتَوَفَّى سنة 748 هـ، وشَمْسُ الدِّين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعى المعروف بابن قيم الجوزية المُتَوَفَّى سنة 751 هـ، حيث ذكر فِي كتابه (زاد المعاد) بحثًا طويلًا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، وقد أُفْرِدَ بِالطَبْعِ. ولا شَكَّ أَنَّ التَّدَاوِيّ لا يُنَافِي الإيمان بالقضاء والقدر، لأَنَّ الدَّوَاءَ أَيْضًَا من قَدَرِ اللهِ، ويَدُلُّ على ذلك ما روي عن أبِي خزامة عن أبيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» "أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (5) .
(1) قال فِي"سنن الترمذي ت بشار":"وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي خُزَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". وقال الشيخ الألباني:"صحيح".
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (كِتَابُ الطِّبِّ) ج 10 ص 134.
(3) قال فِي"جامع الأصول":"رواه أبو داود رقم (3855) فِي الطِّبِّ، باب فِي الرجل يتداوى، والتِّرْمِذِيّ رقم (2039) فِي الطِّبِّ، باب ما جَاءَ في الدَّواء والحث عليه، وإِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، ورواه أيضًا أحمد، والبُخَارِيّ في"الأدب المفرد"وابن ماجة وغيرهم، وقال التِّرْمِذِيّ:"هذا حديث حسن صحيح"."