عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (3) . فهل تَعْتَقِدُ أَنْ إنْسَانًَا تَغْلِبُ على نَفْسِهِ كُلُّ هذه المَعَانِي عَقِيدَةً وشُعُورًَا وَوُجْدَانًَا فتملأها صَلابَةً وقُوَّةً يُمْكِنُ أَنْ تَجِدَ الأَمْرَاض النَّفْسِيَّة إلى نَفْسِهِ سَبِيلًا؟ كلا. وقَدْ اعْتَرَفَ بذلك المُنْصِفُونَ من عُلَمَاءِ النَّفْسِ الحَدِيثِ. ومِمَّنْ نَادَى بذلك"وليم جيمس"العَالِمُ الأَمْرِيكِّيُ فَقَالَ:"إنَّ أعْظَمَ عِلاجٍ للقَلَقِ ولا شَكَّ هو الإِيمَانُ".
وقال:"الرَّجُلُ المُتَدَيِّنِ حَقًَّا عَصِيٌّ على القَلَقِ، مُحْتَفِظٌ أبدًا باتِّزَانِهِ، مُسْتَعِدٌّ دَائِمًَا لِمُواجَهَةِ مَا عَسَى أَنْ تَأتِي به الأيَّامُ من صُرُوفٍ". وقَالَ"كارل يونج"المُحَلِّلُ النَّفْسَانِيُّ:"إنَّ المَرَءَ المُتَدَيِّنَ حَقًَّا لا يُعَانِي قَطُّ مَرَضًَا نَفْسِيًَّا"وأشَارَ المُؤَرِّخُ"أرنولد توينبي":"إلى أَنَّ الأَزْمَةَ التي يُعَانِي مِنْهَا الأُورُوبِيُّونَ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ إِنَّمَا تَرْجِعُ فِي أَسَاسِهَا إلى الفَقْرِ الرُّوحِيِّ". ومن هذا يَتَّضِحُ لنا أَنَّ من أَهَمِّ وَسَائِلِ الطِّبِّ النَّفْسِيِّ وِقَايَةً وعِلاجًَا هو تَقْوِيَةُ الإيِمَانِ والعَقِيدَةِ واليَقِينِ.
أمَّا العِلاجُ النَّفْسِيُّ الثَّانِي فِي نَظَرِ الإِسْلامِ فهو فِي الأَذْكار والأَدْعِية المأثورة، والرُّقَى الصَّحِيْحَةِ المَشْرُوعَةِ بِالآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ والأَذْكَارِ والأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ، وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ:"لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ؛ فهذا ذِكْرٌ نَبَوِيٌّ مَأُثُورٌ لِعَلاجِ الإنْسَانِ من أَزْمَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وكَشْفِ هُمُومِهِ القَلْبِيَّةِ التي يُعَانِيها، ثُمَّ هو بِالإِضَافَةِ إلى ذلك دُعَاءٌ مُسْتَجَابٌ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ التي تَهُمُّ ذلك الإنْسَان، وتَحْقِيقهَا له إنْ كَانَتْ خَيْرًَا، أو تَعْوِيضَهُ بِأَحْسَنِ منها.
ولكن هذه الأَدْعِيَة والأَذْكَار لا تعمل عملها فِي عِلاجِ النَّفْسِ وشِفَائِهَا إلاّ إذا اقْتَرَنَتْ بالعِلْمِ بِمَعْنَاهَا، واليَقِينِ بِجَدْوَاهَا؛ ولا شَكَّ أَنَّ هناك بعض الأعمال كالمَيْكُروبَاتِ الضَّارَّةِ وهي المَعَاصِي والذُّنُوبِ، فمن أَرَادَ سَلامَةَ نَفْسِهِ من الأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ فَلْيُجَنِّبَهَا المَعَاصِي والذُّنُوبِ، ولهذا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:"مَنْ أَرَادَ عَافِيَةَ القَلْبِ فَلْيَتْرُك الآثَامَ".
أمَّا الطِبُّ البَشَرِيُّ: فإنَّ الإِسْلامَ قد أثبته، ودعا إلى هذا الطِّبَّ الذي يعتمد على عِلاجِ الجِسْمِ بِالعَقَاقِيرِ المُسْتَخْلَصَةِ من الأعشاب والمعادن وغيرها، ويدخل فِي ذلك الفيتامينات"وأشار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بَعْضِ الأَدْوِيَةِ النَّافِعَةِ التي تُعْتَبَرُ أُصُولًا أَسَاسِيَّةً لِجَمِيعِ أَنْوَاع الأَدْوِيَةِ الأخرى. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ. وإذا تَصَفَّحْنَا كتابَ الطِّبِّ من"صحيح البُخَارِيّ"أو غيره من الصِّحَاحِ نَجِدُ فيه أنْوَاعًَا من الأَدْوِيَةِ النَّبوية المأثورة لعلاج الأبدان، فمن ذلك: العَسَلُ، والحِجَامَةُ، والكَيُّ، وأَلْبَانُ الإِبِلِ وأبْوَالِهَا،"