ثَانِيًَا: أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ"صريحٌ فِي أنَّ جَمِيعَ الأَدْوِيَةِ أسْبَابٌ عَادِيَّةٌ لا تُؤثِّرُ فِي المَرِيضِ، ولا تُحَقِّقْ مَفْعُولَهَا إلاّ بإذِنِ اللهِ، واللهُ هو الشَّافِي وَحْدَهُ، كما قال تَعَالَى على لِسَانِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ؛ فعلى المُؤْمِنِ أَنْ يَتَعَاطَى العِلاجَاتِ الطِّبِّيَّةِ آخِذًَا بِالأَسْبَابِ، مع إيِمَانِهِ ويَقِينِهِ أَنْ لا شِفَاءَ إلّا مِنَ اللهِ. قال الشوكاني:"وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ كُلِّهَا إثْبَاتُ الْأَسْبَابِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَبِتَقْدِيرِهِ وَأَنَّهَا لَا تَنْجَعُ بِذَوَاتِهَا بَلْ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ فِيهَا، وَأَنَّ الدَّوَاءَ قَدْ يَنْقَلِبُ دَاءً إذَا قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ حَيْثُ قَالَ:"بِإِذْنِ اللَّهِ"فَمَدَارُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا لَا يُنَافِيهِ دَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَكَذَلِكَ تَجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ، وَالدُّعَاءُ بِالْعَافِيَةِ، وَدَفْعُ الْمَضَارِّ"اهـ (2) .
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا عَادَ مَرِيضًَا دَعَا له بِهذا الدُّعَاء.
(1) قال التِّرْمِذِيّ:"حديث حسن صحيح"، وَصَحَّحَهُ ابن حبان وأَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ. وقال في"مسند أحمد ط الرسالة":"حديث صحيح، يزيد أبو خالد -وهو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني- وإن كان فيه كلام قد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير المنهال بن عمرو، فمن رجال البُخَارِيّ".
(2) "نيل الأوطار": [بَابُ إبَاحَةِ التَّدَاوِي وَتَرْكِهِ] ج 8 ص 231.