بِخَطِّهِ، أَوْ يَكْتُبَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ حَاضِرٌ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ لَهُ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَيْهِ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَجَرَّدَ الْمُكَاتَبَةُ عَنِ الْإِجَازَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ، بِأَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ وَيَقُولَ: (أَجَزْتُ لَكَ مَا كَتَبْتُهُ لَكَ، أَوْ مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ) ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِجَازَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَقَدْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ: أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَمَنْصُورٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَجَعَلَهَا أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ مِنْهُمْ أَقْوَى مِنَ الْإِجَازَةِ، وَإِلَيْهِ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَأَبَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِلَيْهِ صَارَ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِهِ (الْحَاوِي) . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيدِهِمْ، وَمُصَنَّفَاتِهِمْ قَوْلُهُمْ:"كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ"، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا. وَذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ، مَعْدُودٌ فِي الْمُسْنَدِ الْمَوْصُولِ، وَفِيهَا إِشْعَارٌ قَوِيٌّ بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْإِجَازَةَ مَعْنًى"اهـ."
فأمَّا الكتابةُ بدون إجازة فقد أجَازَ الرِّوَايَة بها كثير من المتقدمين والمتأخرين: منهم السختياني والليث بن سعد وبعض الشَّافِعِيَّة؛ وجعلها أبو المظفر السمعاني وبعض الأصوليين أقوى من الإجازة. ومنع بعض الشَّافِعِيَّة الرِّوَايَة بها. قال ابن الصلاح: "وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيدِهِمْ، وَمُصَنَّفَاتِهِمْ قَوْلُهُمْ:"كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ"، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا" اهـ (1) .
وذهب غير واحد من علماء المُحَدِّثين وأكابرهم إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرِّوَايَة بالمكاتبة، والمختار قول من يقول فيها كتب إليَّ فلان. قال ابن الصلاح:"أَمَّا الْمُكَاتَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ فَهِيَ فِي الصِّحَّةِ، وَالْقُوَّةِ شَبِيهَةٌ بِالْمُنَاوَلَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِجَازَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". قلت: وتدخل هذه المكاتبة في مضمون حديث الباب، ويدل عليها دلالة مباشرة"."
ثانيًا: دل الحديث، على جواز المناولة في الحديث كما ترجم له البُخَارِيّ، وأقوى أنواعها المناولة المقرونة بالإِجازة، وهي كما عرفها القَسْطَلانِيّ:"أنْ يُعْطِيَ الشَّيْخُ الكِتَابَ للطَّالِبِ ويقول: هذا سماعي من فلان أو تصنيفي وقد أجزت لك أنْ ترويه عَنِّي، وهي حالّة محل السماع عند يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والزهري فيسوغ فيها التَّعبير بالتَّحْدِيثِ والإخبار، لكنَّها أَحَطُّ مرتبةً من السَّمَاعِ عند الأكثرين"اهـ (2) . ولها صور أخرى أيضًا، منها:"أنْ يعير الشَّيخ الكتاب للطالب لينسخه ويقابل به ثم يعيده للشيخ، أو يعطي الطالب للشيخ الكتاب فينظر فيه الشيخ ويتأمله حتى يتأكد أنَّه أصلٌ صحيحٌ، وأنَّه من روايته، ثم يُعيده الشيخ للطَّالِبِ، ويخبره أنَّه من روايته، ويأذن له بأنْ يرويه عنه"اهـ. قال فضيلة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:"فهذه الصُّوَر ِكلها مناولة مقرونة بالإِجَازَةِ، وهي أعلى أَنْوَاعِ الإِجَازَةِ"اهـ.