فَهُوَ وَقِيذٌ"فإنَّهُ يَحْرُم كما يَحْرُم الوَقِيذُ، وهو الحَيَوَانُ المَقْتُولُ بِشَيْءٍ مثقل من حجر أو خشبة أو نحوها."
"وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ"والمعنى أنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحَيَوانِ الذي يَصْطَادَهُ الكَلْبُ المُعَلَّمِ"فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ"أي مَا أَمْسَكَهُ كلب الصيد لك: وصَادَهُ من أَجْلِك فَكُلْ، وفِي رِوَايَةٍ:"مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ:"إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والبَيْهَقِيّ (وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيّ) . ومعنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ"أي ما صَادَهُ الكَلْبُ المُعَلَّمُ لك، واحتفظ به من أَجْلِك، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًَا، فإنَّهُ صيد شرعي مباح الأكل، فَكُلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، وأَطْعِمْ مِنْهُ مَنْ شِئْتَ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ"أي فإِنَّ عَقْرَهُ له ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ تُبِيحُ أَكْلَهُ كما يُبِيحُ الذَّبْح والنَّحْر لُحُومَ الضَّأنِ والبَقَرِ والإِبِلِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلاَبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ، وَقَدْ قَتَلَهُ فَلاَ تَأْكُلْ"أي إِنْ وجدت مع كلابك كلبًا آخر وخشيت أنْ يكون قد اشْتَرَكَ معها فِي قَتْلِ الحَيَوانِ أو انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، فَإنَّهُ يَحْرُم أكله، لاحْتِمَالِ أنَّهُ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، أو أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ لَمْ يَذْكُر اسْمُ اللهِ عند إرساله"فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ"أي فلو صاده الكلب الآخر فإنَّه يحتمل أنَّه لَمْ يذكر اسم الله عليه."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ يَجُوزُ الصَّيْد بِكُلِّ مُحَدَّدٍ؛ فَكُلُّ حَيَوانٍ صِيْدَ بمُحَدَّدٍ فهو مُبَاحُ الأَكْلِ، ولا يَحِلُّ صَيْدُ المثقل وإلى هذا ذهب مالك والشَّافِعِيّ وأَبُو حَنِيْفَةَ وأَحْمَدُ والثَّوْرِي، لأنَّهُ وَقِيذٌ.
ثَانِيًَا: دَلّ هذا الحَدِيثُ على أَنَّ صَيْدَ الكَلْبِ وَشِبْهِهِ من ذَوَاتِ النَّابِ حَلالٌ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ (2) :
الأَوَّل: أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًَا: إذا أَغْرَاهُ صَاحِبُهُ بالصَّيْدِ طَلَبَهُ، وإذا زَجَرَهُ انْزَجَرَ، وإذا أَمْسَكَ الصَّيدَ أَمْسَكَهُ على صَاحِبِهِ، واختلفوا فِي عَلامَةِ ذلك ومَتَى يَتَحَقُّقُ كَوْنُهُ مُعَلَّمًَا على صَاحِبِهِ! فذهب أحمد وأبو يوسف ومُحَمَّد والشَّافِعِيّ - فِي أَرْجَحِ أَقْوَالِهِ:"أَنَّ عَلامَةَ إِمْسَاكِهِ على صَاحِبِهِ، وكونه معلمًا؛ قال فِي"الْمُغْنِي":"وَلَا يَثْبُتُ التَّعْلِيمُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الِانْزِجَارَ بِالزَّجْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ، أَوْ رُؤْيَتِهِ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِحَالٍ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ، أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، لَمْ يُبَحْ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ: عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وَأَبُو بُرْدَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَةُ: يُبَاحُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،