ثَوْرٍ:"إنَّهَا سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ، ولو كَانَ الأَبُ مُعْسِرًَا، وحَمَلُوا الأَمْرَ على النَّدْبِ"، قال فِي"شرح منتهى الإرادات":"وَهِيَ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ «النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ» وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى يَوْمَ السَّابِعِ» (2) "اهـ (3) . وقال مَالِكٌ فِي"الْمُدَوَّنَة":"وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لَمْ تَزَلْ مِنْ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا سُنَّةٍ لَازِمَةٍ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا، وَقَدْ عُقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ يُجْزِئُ فِيهَا مِنْ الذَّبَائِحِ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ؛ لَا يُجْزِئُ فِيهَا عَوْرَاءُ وَلَا عَرْجَاءُ وَلَا جَرْبَاءُ وَلَا مَكْسُورَةٌ وَلَا نَاقِصَةٌ وَلَا يَجُزُّ صُوفَهَا وَلَا يَبِيعُ جِلْدَهَا وَلَا شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا"اهـ (4) . واسْتَدَلَ الجُمْهُورُ على أَنَّ الأَمْرَ بالعقيقة للنَّدْبِ والاسْتِحْبَابِ لا للوُجُوبِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ - أي أَنْ يُذْبَحَ عنه عَقِيقَةٌ فَلْيَفْعَل - عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيّ (وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيّ) (5) ."قال الزَّرْقَانِيُّ:"وَفِي جَعْلِ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى مَحَبَّتِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ نُسُكًا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ"اهـ (6) ."
واختلفوا فَي العَقِيقَةِ: هل هي وَاحِدَةٌ فِي الذَّكَرِ والأُنْثَى أو أنّها تختلف؟ فذهب الشَّافِعِيّ وأحْمَدُ إلى أنَّهُ يُعَقُّ عن الغَلامِ بِشَاتَيْنِ، وعن الجَارِيَةِ بِشَاةٍ، وهو قول ابن حبيب من المالكية، واسْتَدَلُّوا بِما رُوِيَ"عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ سِبَاعٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّ كُرْزٍ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَقِيقَةِ؟ فَقَالَ:"يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْأُنْثَى وَاحِدَةٌ، وَلَا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا" (7) ، وقال مالك:"الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءً، يُعَقُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُما شَاةٌ"، واحْتَجَّ بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (8) ."
واختلفوا: هل يُشْتَرَطُ فِي العَقِيقَةِ ما يُشْتَرَطُ فِي الأُضْحِيَةِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ، وفِيهِ وَجْهَانِ للشَّافِعِيِّة، أَصَحُّهَا أنَّهُ يُشْتَرَطُ.
ثانيًا: دَلَّ هذا الحديثُ على اسْتِحْبَابِ تَنْظِيفِ المَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ بإزالة ما به من قَذَرٍ، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى"وليس المُرَادُ بذلك حَلْق الرَّأْسِ فَقَطْ، بل هو أَعَمُّ فَيَشْمَل حلق رأسه، وتطهيره من الأوساخ التي علقت بجسمه وإلباسه ملابس نظيفة. ويستحب أنْ يحلق شَعْرَه ويَتَصَدَّق بوزنه فِضَّة، قال ابن قدامة:"وَإِنْ تَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً فَحَسَنٌ"، وقال:"قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم: يُسْتَحَبُّ لِلْوَالِدِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ ابْنِهِ حِينَ يُولَدُ؛ لِمَا رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِى أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلاَةِ» أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (9) ؛ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ