معنى الحديث: يَقُولُ أبُو مُوسَى الأَشْعَرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وُلِدَ لِي غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يعني فَبَادَرْتُ بإحْضَارِهِ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ِولادَتِهِ مُبَاشَرَةً"فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ"أَيْ فَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهذا الاسْمِ فِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ،"فَحَنَّكَهُ (1) بِتَمْرَةٍ"أي فمضغ في فمه تمرة، وجعلها فِي فَمِ الصَّبِيِّ كي تحل به البركة"وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ"أيْ ودَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ فِيه الخَيْرَ والصَّلاحَ، وَيُوَفِّقَهُ فِي دِينِهِ ودُنْيَاهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: اسْتَدَلَّ به البُخَارِيّ على مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْجِيلِ بِتَسْمِيَةِ المُولُودِ يَوْمَ مَوْلِدِهِ لِمَنْ لَمْ يعق عنه (2) لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى غلام أبِي مُوسَى بعد وِلادَتِهِ مُبَاشَرَةً، ولَمْ يُؤخِّرْ تَسْمِيَتَهُ إلى يَوْمِ سَابِعِهِ، ولا خلاف بين أهل العلم فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَسْمِيَتُهُ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ إِنْ عُقَّ عَنْهُ، وإلّا فإنه يُسَمَّى قبل ذلك؛ قال فِي"منهج السالك على مذهب مالك":"وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمَّى يَوْمَ سَابِعِهِ إنْ عُقَّ عَنْهُ؛ وَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ سُمِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ، ولَوْ مِنْ يَوْمِ الوِلادَةِ. والتَّسْمِية يَوْمَ السَّابِعِ سنة مستحبة، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تُسَنّ التسمية يوم السابع". قال ابن قدامة:"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى"أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَه (3) . وَإِنْ تَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً فَحَسَنٌ؛ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَةُ حَسَنًا قَالَتْ: أَلَا أَعُقُّ عَنْ ابْنِي بِدَمٍ؟ قَالَ:"لَا، وَلَكِنْ احْلِقِي رَأْسَهُ ثُمَّ َتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوِ الْأَوْفَاضِ - يَعْنِي أَهْلَ الصُّفَّةِ"رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ."قَالَ: فَوَزَنَتْهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ" (4) ."
قال ابن قدامة:"وَإِنْ سَمَّاهُ قَبْلَ السَّابِعِ، جَازَ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيمَ» ؛ وَسَمَّى الْغُلَامَ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ"اهـ (5) ؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
ثانيًا: دَلَّ هذا الحَدِيثُ على اسْتِحْبَابِ تَحْنِيكِ الصَّبِيِّ عند تَسْمِيَتِهِ وقد تقدم معناه أثناء شرح الحديث، والأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ التَّحْنِيكُ بِالتَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ فَبِالرُّطَبِ وإلّا فَبِشَيْءٍ حُلْوٍ، وأَوْلاهُ عَسَل النَّحْلِ.