مُجَاهِد فِي الصَّلَاة وَالْحج والأطعمة والأمثال، وَقيس بن سعد فِي الْأَحْكَام. وروى عَنهُ: أَبُو نعيم وَابْن نمير وَزيد بن الْحباب. قَالَ يَحيى القَطّان:"كَانَ حيًّا سَنَةَ خمسين ومائة، وَكَانَ عِنْدنا ثِقَةً، ممن يصدق ويحفظ". وتُوُفِّيَ بعدها.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: أنَّ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:"سَمِعْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلاَ الدِّيبَاجَ"أيْ أنَّهُ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن لُبْسِ الحَرِيرِ للرِّجَالِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، سَوَاءٌ كان من النَّوْعِ المُسَمَّى بِالدِّيبَاجَ (3) أو غَيْرِه."وَلاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ"وهذا نَهْيٌ صَرِيحٌ عن شُرْبِ أَيِّ نَوْعٍ من السَّوائِلِ فِي الأَوَانِي الذَّهَبِيَّةِ والفِضِّيَةِ"وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا"قَالَ العَيْنِيُّ: (جَمْعُ صَحْفَة وَهِي إِنَاٌء كالقَصْعَةِ المبْسُوطَةِ وَنَحْوِهَا، والمعنى: أنّهُ نَهَى الرِّجَالَ عن اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الأَوَانِي الذَّهَبِيّة والفِضِّيَةِ فِي المَشْرُوبَاتِ والمأْكُولاتِ؛ سَوَاءٌ كان الإِنَاءُ من الذَّهَبِ الخَالِصِ أو الفِضَّةِ الخَالِصَةِ، أو كَانَ مُذَهَّبًَا أو مُفَضَّضًَا مَخْلُوطًَا أو مَدْهُونًَا أو مُضَبَّبًَا"؛ وَقَالَ ابْن الْمُنْذر:"المُفَضَّضُ لَيْسَ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّة وَلَيْسَ بِحَرَامٍ مَا لَمْ يَقَعْ النَّهْيُ عَنهُ، وَكَذَلِكَ المُضَبَّبُ، وَهُوَ وَجْهٌ لبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ") اهـ (4) . ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ"أيْ فإِنَّ الحَرِيرَ والفِضَّةَ والذَّهَبَ للكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا وللمُسْلِمِينَ فِي الآخِرَةِ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُ الحَرِيرِ بِجَمِيعِ أنْوَاعِهِ على الرِّجَالِ خَاصَّةً، والوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا بِالحِرْمَانِ منه فِي الآخِرَةِ، كما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلَنَا فِي الآخِرَةِ" (5) ولهذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى تَحْرِيمِ لُبْسَهُ وافْتِرَاشِهِ على الرِّجَالِ، قال فِي"طرح التثريب": يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ مَوَاضِعُ مَعْرُوفَةٌ (مِنْهَا) مَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَمِنْهَا مَا إذَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَجَرَبٍ، وَقُمَّلٍ، وَمِنْهَا مَا إذَا فَاجَأَتْهُ الْحَرْبُ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ مِنْهُ مَا هُوَ وِقَايَةٌ لِلْقِتَالِ كَالدِّيبَاجِ الصَّفِيقِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي الْحَرْبِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ، وَزِينَةِ الْإِسْلَامِ كَتَحْلِيَةِ السَّيْفِ، وَالصَّحِيحُ تَخْصِيصُهُ بِحَالَةِ الضَّرُورَةِ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) اهـ (6) .
ثانيًا: دَلَّ الحَدِيثُ على تَحْرِيمِ الأَكْلِ والشُّرْبِ (7) فِي الأَوَانِي الذَّهَبِيّةِ والفِضِّيَةِ، وكذلك يَحْرُمُ كُلُّ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الآنِيَةِ كَأَدَوَاتِ الطِّيبِ والكُحْلِ، وبِهذا قال جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ خِلافًَا للشَّوْكانِي والصَّنْعَانِيّ:"فإنَّهُما يَرَيَانِ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فِي غير الأَكْلِ والشُّرْبِ لأَنَّ"