الشِّمَالِ، لأنَّهَا أَقْوَى، وهِيَ مُشْتَقَّةٌ من اليُمْنِ (6) ، وقَدْ شَرَّفَ اللهُ أصْحَابَ الجَنَّةِ إذْ نَسَبَهُم إلى اليَمِينِ. والأَصْلُ فِيمَا كان من هذا الباب: التَّرْغِيبُ والنَّدْبُ"."
ثالثًا: اسْتَدَلَّ به بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ على تَحْرِيمِ الأَكْلِ بالشِّمَالِ، لأَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ بِالأَكْلِ بَاليَمِينِ، والأَمْرُ بِالشَيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ، واسْتَدَلُّوا أيْضًَا على تَحْرِيمِ الأَكْلِ بِاليَدِ اليُسْرَى بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم، قال الصَّنْعَانِيّ:"الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ فَإِنَّهُ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ وَخُلُقُهُ وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِتَجَنُّبِ طَرِيقِ أَهْلِ الْفُسُوقِ فَضْلًا عَنْ الشَّيْطَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِالْيَمِينِ وَالشُّرْبُ بِهَا لَا أَنَّهُ بِالشِّمَالِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ زَادَ نَافِعٌ: الْأَخْذَ وَالْإِعْطَاءَ"اهـ (7) .
رابعًا: قَالَ النَّوَوِيُّ: (فِيهِ اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ، وَأَنْ يَجْهَرَ بِهَا لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ". قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَهْرِ، وَلَعَلَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ. قَالَ:"وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآكِلِينَ، فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ"اهـ. قُلْتُ: هُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ. وَقَالَ النووي أيْضًَا:"وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مُوَضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مَوَدَّةٍ لِنُفُورِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَأَشْبَاهِهَا"اهـ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ أَكْلَ مَا يَلِيهِ سُنَّةٌ، وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ:"فَإِنْ كَانَ تَمْرًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ". والدليل قَوْلِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ:"أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ، فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا، فَخَبَطْتُ يَدِي فِي نَوَاحِيهَا، فَقَالَ:"يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ"ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ:"يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ(8 ) ) اهـ (9) . قال فِي"الموسوعة الفقهية":"مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يَأْكُل مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِل فِي وَسَطِهَا، فَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:"الْبَرَكَةُ تَنْزِل وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ (10) . قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُكْرَهُ الأَكْل مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ، وَمِنَ الأَعْلَى وَالْوَسَطِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُشْتَمِل عَلَى الإِيذَاءِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ نَحْوُ الْفَاكِهَةِ مِمَّا يُنْتَقَل بِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنَ الإِسْرَافِ أَنْ يَأْكُلَ شَخْصٌ وَسَطَ الْخُبْزِ وَيَدَعَ حَوَاشِيَهُ، أَوْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَأْكُلُ مَا تَرَكَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَارَ رَغِيفًا دُونَ رَغِيفٍ (11) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ".