زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ"بكسر الطاء؛ أَي فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ المُهَذَّبَةِ هي طَرِيقَتِي فِي الأَكْلِ بَعْدَ ذَلِكَ طِيْلَةَ حَيَاتِي."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أَوَّلًا: أنَّ من آدَابِ الأَكْلِ ومُسْتَحَبَّاتِهِ التَّسْمِيَّةِ في بداية الطَّعام طردًا للشَّيْطَان وأصرَحُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ ما أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والتِّرْمِذِيّ من طريق أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِى أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» " (1) وقال فِي"الموسوعة الفقهية":"قَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الشُّرْبِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ أَثْنَاءَ شُرْبِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْهَا، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَقُول:"بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ"وَتَحْصُل التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ:"بِسْمِ اللَّهِ"فَإِنْ قَال:"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"كَانَ حَسَنًا"اهـ (2) . قَالَ فِي"تحفة الأحوذي":"وَالتَّسْمِيَةُ فِي شُرْبِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَالدَّوَاءِ وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَتَحْصُلُ التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَانَ حَسَنًا وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَغَيْرُهُمَا"اهـ (3) ."
ثانيًا: دَلَّ الحديث على اسْتِحْبَاب الأكل باليمين لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَكُلْ بِيَمِينِكَ"وقد اختلف أهل العلم فِي مقتضى هذا الأمر. وهل الأكل باليمين واجب أو مستحب؟ فذهب بعضهم إلى أنَّه واجب كما أفاده العيني لظاهر الأمر، ولورود الوعيد فِي الأكل بالشِّمَالِ ففي صحيح"مُسْلِم": عن سلمة بن الأكوع"أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لاَ أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لاَ اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ". وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا مَرْفُوعًَا:"مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكْلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ، وَمَنْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ شَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ" (4) . قال الحَافِظُ فِي "الفتح":"قَوْلُهُ يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهِ قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَضِيَّةُ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ قَوْلُهُ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَمِمَّا يَلِيكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى النَّدْبِ وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ؛ لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى الْوُجُوبِ" اهـ (5) .
والذي عليه أَكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ اسْتِحْبَابِ الأَكْلِ والشُّرْبِ باليَمِينِ، وكَرَاهِيَة ذلك بالشِّمَالِ، وكذلك كل أخذٍ وعطاءٍ، قال الْقُرْطُبِيّ:"هذا الأمر على جهة النَّدْبِ، لأنَّهُ مِنْ بَابِ تَشْرِيفِ اليَمِينِ على"