قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ"أي جالس بين أصحابه مُسْتَنِدٌ إلى وسادة في وسطهم"فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ"أي هو هذا الرَّجُل الأَبْيَض المُشْرَبِ بِحُمْرَةٍ"فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ"أي فناداه بقوله: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ"فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ» "أي سمعتك وتهيأت لِإجابتك."
"فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ"أي سائلك فِي لَهْجَةٍ شَدِيدَةٍ"فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ"أي فلا تغضب عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فإنِّي لَمْ أقْصِدْ الإِسَاءَةَ إليك."فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» "أي اسأل عن كل ما تحتاج إلى معرفته من أحكام الإِسلام وأركانه فسأجيبك عنه.
"فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ"أي أسألك وأسْتَحْلِفُكَ بِرَبِّكَ الذي خلقك وخلق مَنْ قَبْلَكَ من هذا العالم أنْ تَصْدُقَنِي الحديث فيما أَسْأَلُكَ عنه:"آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟"أي هَلِ اللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًَا وليس إلى قُرَيْشٍ خَاصَةً؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» . أُي أُقْسِمُ بِاللهِ واسْتَشْهِدُ به على أَنَّ الله أرْسَلَني إلى النَّاسِ كَافَةً."قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ"أيْ أَسْأَلُكَ بالله ومن سئل بالله فليُجِبْ"آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟"أي هَلِ اللهُ أَمَرَكَ أنْ تُكَلِّفَنَا بِهَذِهِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي كُلِّ يومٍ وليلةٍ؟"قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» . أَيْ أُقْسِمُ على أَنَّ الله أمَرَنِي بذلك."قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» "."
"قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ - أي الزِّكَاةُ - مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» أَيْ أُقْسِمُ على ذلك."فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ"أيْ فإنِّي منذ الآن أُعْلِنُ إيِمَانِي بِمَا جِئْتُ به"وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي"أي وَأَنَا رسُولُ قومي الموفد إليك من قبلهم لأَتَلَقَّى منك أركان هذا الدِّينِ، وأبلغها لهم."وَأَنَا ضِمَامُ"بكسر الضَّادِ"بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ"أي من قبيلة بني سَعْدٍ التي اسْتُرْضِعَ فيها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتي منها حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةِ مرضعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان قدوم ضِمَامٌ سَنَةَ تِسْعٍ من الهجرة الذي هو عام الوفود."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ لأخذ الحديث عن المحدث طرقه المتعددة، منها العرض عليه كما في هذا الحديث، فإنَّ ضِمَامَ كان يَعْرِضُ (1) على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرْكَان الإِسْلامِ - أي يذكرها واحدًا واحدًا: والنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمعها منه، ويُصَادِقُ عليها، وهذا هو مَا يُسَمَّى عند المُحَدِّثِينَ بِالعَرْضِ. قال الحافظ:"وهو عِبَارَةٌ عَمَّا يُعَارِضُ بِهِ الطَّالِبُ أَصْلَ شَيْخِهِ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ ... وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِمَا سَمِعُوهُ"