ثانيًا: دَلَّ الحديث على مَشْرُوعِيَّةِ إِحْدَادِ المَرْأَةِ على زَوْجِهَا المُتَوَفَّى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْر، وهو واجب عند الجمهور، لحديث الباب، وقال الحسن البَصْرِيّ والشعبي: لا يَجِبُ، لِحَدِيثِ"أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ فَقَالَ:"لَا تَحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا" (2) قال أحْمَدُ وإِسْحَاقُ:"هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به لأنَّهُ مُخَالِفٌ للأحاديث الصَّحِيْحَةِ فِي الإِحْدَادِ، ولهذا ترك أهل العلم العمل به، والإحداد واجب على المرأة صغيرة كانت أم كبيرة. بكرًا أو ثيبًا"اهـ. قال فِي"الأم للشافعي":"وَالْحُرَّةُ الْكَبِيرَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَالذِّمِّيَّةُ وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ فِي الْإِحْدَادِ كُلُّهُنَّ سَوَاءٌ؛ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْدَادُ لَا يَخْتَلِفْنَ. وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ تَكُونُ بِإِحْدَادٍ أَنْ لَا تَعْتَدَّ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ إحْدَادٍ لِأَنَّهُنَّ إنْ دَخَلْنَ فِي الْمُخَاطَبَاتِ بِالْعِدَّةِ دَخَلْنَ فِي الْمُخَاطَبَاتِ بِالْإِحْدَادِ؛ وَلَوْ تَرَكَتْ امْرَأَةٌ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَوْ فِي بَعْضِهَا كَانَتْ مُسِيئَةً؛ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ إحْدَادًا لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِحْدَادِ فِي الْعِدَّةِ فَإِذَا مَضَتْ أَوْ مَضَى بَعْضُهَا لَمْ تَعُدْ لِمَا مَضَى"اهـ (3) ."
أمَّا المُطَلَّقَةُ إِنْ كَانَتْ بَائِنَةٌ بَيْنُونَةٍ صُغْرَى أو كُبْرَى فقال الحنفية كما فِي "بدائع الصنائع":"وَاخْتُلِفَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا قَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْزَمُهَا الْحِدَادُ ... والْحِدَادَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِفَوَاتِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ فِي الدِّينِ خَاصَّةً فِي حَقِّهَا لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا وَعِفَّتِهَا عَنْ الْحَرَامِ وَصِيَانَةِ نَفْسِهَا عَنْ الْهَلَاكِ بِدُرُورِ النَّفَقَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَوْتِ فَلَزِمَهَا الْإِحْدَادُ إظْهَارًا لِلْمُصِيبَةِ وَالْحُزْنِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ وَالْمُبَانَةِ فَيَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ" اهـ (4) . وقال فِي "الْمُغْنِي":"اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ؛ فَعَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ" اهـ (5) . وعن المالكية قال فِي "حاشية العدوي":" (وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ) طَلَاقًا بَائِنًا، أَوْ رَجْعِيًّا (إحْدَادٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ احْتِيَاطًا لِلْأَنْسَابِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَلَا مُحَامِيَ لَهُ عَنْ نَسَبِهِ فَجُعِلَ الْإِحْدَادُ زَاجِرًا وَقَائِمًا مَقَامَ الْمُحَامِي عَنْ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُحَامِي عَنْ نَسَبِهِ، وَالْمُحْتَاطُ لَهُ" اهـ (6) .
ثالثًا: ظاهر هذا الحديث النَّهْي عن الاكتحال مُطْلَقًَا لضرورة أو لغير ضرورة لما جاء في رواية ابن حزم:"أنَّ أُمَّ النَّحامِ تُوُفِّيَ زوجُها، فأَتت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: إنَّ ابنَتي تَشتكي عينَها فأُكَحِّلُها؟ قالَ: «لا» ، قالتْ: إنِّي أَخشى أَنْ تَنفقئَ عينُها، قالَ: «لا، وإِنْ انْفَقَأَتْ» "