فهرس الكتاب

الصفحة 2350 من 2668

العِوَضَ. ولا يُشْتَرَطُ البَدَلُ -أيْ العِوَضُ- عند أَبِي حَنِيْفَةَ ومَالِكٍ وأحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ؛ وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عن أَحْمَدَ:"لا يَكُونُ خُلْعًَا إلاّ بِعِوَضٍ". ولا يَقَعُ الخُلْعُ أيْضًَا بِمُجَرَّدِ بَذْلِ المَالِ وقُبُولِهِ، بل لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظَ الزَّوْجُ بِالخُلْعِ عند أَحْمَدَ خِلافًا للحَنَفِيَّةِ حيث قالوا:"أَخْذُ المَالِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ". قال فِي"الجوهرة النيرة":" (قَوْلُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ بِالْخُلْعِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً) سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ إذَا كَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَالٌ؛ لِأَنَّ بِذِكْرِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْخُلْعِ يَتَعَيَّنُ الِانْخِلَاعُ مِنْ النِّكَاحِ مُرَادًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُقَابِلْهُ مَالٌ إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ الْمَالُ فَوُجُودِ الْمَالِ مُغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ"اهـ (5) .

ثانيًا: اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً"على أَنَّ الخُلْعَ لا يُعَدُّ ولا يُعْتَبَرُ طَلاقًَا إلاّ إذا اقْتَرَنَ بِذِكْرِ الطَّلاقِ، لأنَّهُ لَوْ كَانَ الخُلْعُ بِنَفْسِهِ طَلاقًَا لَمَا احْتَاجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِطَلاقِهَا؛ والمَسْأَلَةُ خِلافِيَّةٌ. قال فِي"بداية المجتهد":"وَأَمَّا نَوْعُ الْخُلْعِ: فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ سَوَّى بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَسْخٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَدَاوُدُ وَمِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِلَّا كَانَ فَسْخًا، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ: إِنَّهُ طَلَاقٌ. وَفَائِدَةُ الْفَرْقِ: هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي التَّطْلِيقَاتِ أَمْ لَا؟ وَجُمْهُورُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَلَاقٌ يَجْعَلُهُ بَائِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لِافْتِدَائِهَا مَعْنًى"اهـ (6) . واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ على أَنْ الخُلْعَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْخُلْعَ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً" (7) .

قال ابْنُ قُدَامَةَ فِي"الْمُغْنِي":"اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخُلْعِ؛ فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ فَسْخٌ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَقَبِيصَةَ، وَشُرَيْحٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَفَائِدَةُ الرِّوَايَتَيْنِ، أَنَّا إذَا قُلْنَا: هُوَ طَلْقَةٌ. فَخَالَعَهَا مَرَّةً، حُسِبَتْ طَلْقَةً. فَنَقَصَ، بِهَا عَدَدُ طَلَاقِهَا. وَإِنْ خَالَعَهَا ثَلَاثًا طَلُقَتْ ثَلَاثًا، فَلَا تَحُلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ. لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَعَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْوِهِ. فَأَمَّا إِنْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ عَلَى فِرَاقِهَا، فَهُوَ طَلَاقٌ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، أَوْ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ طَلَاقٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت