وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ، وَذُكِرَ هَذَا عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ فَقِيهًا مِنْ فُقَهَاءِ طُلَيْطِلَة الْمُتَعَبِّدِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّلِمْسَانِيُّ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. حَكَاهُ عَنْ الْمَازِنِيِّ وَغَيْرِهِ، يَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ، «وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا أَمْرًا كَانَ لَهُمْ، فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» (7) . وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِك،، أَلَمْ يَكُنْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ وَأَجَازَهُ» . وَاَلَّذِينَ رَدُّوا هَذَا الْحَدِيثَ تَأَوَّلُوهُ بِتَأْوِيلَاتٍ ضَعِيفَةٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمَ الثَّلَاثَ بِيَمِينٍ أَوْقَعَهَا جُمْلَةً، أَوْ أَنَّ أَحَدًا فِي زَمَنِهِ أَوْقَعَهَا جُمْلَةً فَأَلْزَمَهُ بِذَلِكَ» : مِثْلُ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَآخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَآخَرَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ"اهـ (8) ."
مطابقة الحديث للترجمة: فِي قَوْلِهِ:"طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا"فإنَّهُ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا مَجْمُوعَةً؛ كما قَالَ العَيْنِيُّ:"فَأَمْضَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ طَلَقَاتٍ ومَنَعَ الزَّوْجَةَ أَنْ تَعُودَ إلى الأَوَّلِ حتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الثَّانِي".
(1) قال فِي"شرح النووي على مسلم":"وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ: هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ السِّينِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ شَبَّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ الْعَسَلِ وَحَلَاوَتِهِ قَالُوا وَأَنَّثَ الْعُسَيْلَةَ لِأَنَّ العسيلة نَعْتَيْنِ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ وَقِيلَ أَنَّثَهَا عَلَى إِرَادَةِ النُّطْفَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ لَا يُشْتَرَطُ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِهَا كَافٍ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالِ الْمَنِيِّ؛ وَشَذَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَشَرَطَ إِنْزَالَ الْمَنِيِّ وَجَعَلَهُ حَقِيقَةَ الْعُسَيْلَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ بِدُخُولِ الذَّكَرِ تَحْصُلُ اللَّذَّةُ"اهـ.
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابِ إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا) ج 9 ص 467.
(3) قال ابن القيم فِي"زاد المعاد" (5/ 261) :"أين فِي الحديث أنَّه: طلق الثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ بل الحديث حُجَّةٌ لنا فإنَّه لا يقال: فعل ذلك ثلاثًا، وقال ثلاثًا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، هذا هو المعقول في لغات الأم عربهم وعجمهم. كما يقال: قذفه ثلاثًا، وشَمَّتَهُ ثلاثًا، وَسَلَّمَ عليه ثلاثًا، وقال ابن القيم (5/"