ويستفاد من جميع أجزائها من جذع وثمر، وجريد وليف وغيره،"فَاسْتَحْيَيْتُ"أي فمنعني عن الإِجابة توقير غيري من كبار الصَّحَابَةِ."ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ"كما وقع في نفسي.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: مشروعيةُ الحِوَارِ والنِّقَاشِ العلمي وتشبيه الأشياء بنظائرها تحريكًا لعقول الطلبة.
ثَانِيًا: فَضْلُ النَّخْلَةِ، وكثرة منافعها.
ثَالِثًا: مشروعيةُ قول المُحَدِّث حَدَّثَنَا، وأنَّه لا فرق بين:"حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنَا وأَنْبَأنَا، وسَمِعْتُ فُلانًا"وهو مذهب البُخَارِيّ. وذهب آخَرُوْنَ إلى أنَّه يقولُ لِمَا سمعه من لفظ الشَّيْخ: سَمِعْتُ أو حَدَّثَنَا، ولِمَا قَرَأَهُ عليه: أَخْبَرَنَا. والأَحْوَطُ الإِفْصَاحَ بالوَاقِعِ كما أفاده القَسْطَلانِيّ."عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا فُلَانٌ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، مَا كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، كَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَاحِدٌ» "اهـ (1) . قال الحافظ: (قَالَ القَاضِي عِيَاض: لَا خلاف أَنه يجوز فِي السماع من لفظ الشَّيْخ أَن يَقُول السَّامع فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا. وسَمِعْتُهُ يَقُول: وَقَالَ لنا فلَان وَذكر فلَان وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ. وَصحح هَذَا الْمَذْهَب ابْن الْحَاجِب وَنقل هُوَ وَغَيره عَن الْحَاكِم أَنَّهُ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة؛ وَهُوَ مَذْهَب جَمَاعَةٍ من الْمُحَدِّثِينَ مِنْهُم: الزُّهْرِيّ وَمَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان. وَقيل: أَنه قَول مُعظم الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين.
وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِلَّا مُقَيّدا مثل حَدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأخْبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَالْمَشْهُور عَن النَّسَائِيّ وَصَححهُ الْآمِدِيّ وَالْغَزالِيّ وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي حَدثنَا وَالْجَوَاز فِي أخبرنَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمُسلم بن الْحجَّاج وَجُمْهُور أهل الْمشرق وَنقل عَن أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن وهب وَقيل أَنه أول من أحدث هَذَا الْفرق بِمصْر وَصَارَ هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ أَنَّهُ اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ؛ وخَصَّصُوا قِرَاءَةَ الشَّيْخِ بِـ"حَدَّثَنَا"لقُوَّةِ إشْعَارِهِ بالنُّطْقِ والمُشَافَهَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي"المُعَنْعَنْ"فَقَالَ بَعضهم: هُوَ مُرْسلٌ؛ وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الجماهير أَنَّهُ مُتَّصِل إِذا أمكن لِقَاء الرَّاوِي الْمَرْوِيّ عَنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ادّعى مُسلم إِجْمَاع الْعلمَاء على أَن المعنعن وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فلَان عَن فلَان: مَحْمُولٌ على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع إِذا أمكن لِقَاء من أضيفت العنعنة إِلَيْهِم بَعضهم بَعْضًا يَعْنِي مَعَ براءتهم من التَّدْلِيس.
وَنقل - أَي مُسْلِمٌ - عَن بعض أهل عصره أَنه قَالَ: لَا يحمل على الِاتِّصَال حَتَّى يثبت أَنَّهُمَا التقيا فِي عمرهما مرّة فَأكْثر؛ وَلَا يَكْفِي إِمْكَان تلاقيهما. وَقَالَ: هَذَا قَول سَاقِط وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن المعنعن مَحْمُول على الِاتِّصَال إِذا ثَبت التلاقي مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال وَكَذَا إِذا أمكن التَّلاقي. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالَّذِي رده هُوَ الْمُخْتَار الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ وَغَيره. وَقد زَاد جمَاعَة عَلَيْهِ؛ فَاشْترط الْقَابِسِيّ: أَنْ يكون قَدْ أَدْرَكَهُ إدْرَاكًَا بَينا؛