الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ وأبو داود وأحمد وابن ماجة.
معنى الحديث: يَقُولُ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، وَأَكْرَمْتُكَ"أَيْ فَلَمَّا انْتَهَتْ عِدَّتُهَا، وبَانَتْ مِنْهُ جَاءَنِي يطلب إِرْجَاعَهَا"فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ"أَيْ جَعَلْتُهَا لك فِرَاشًَا"فَطَلَّقْتَهَا"وَأَهَنْتَ كَرَامَتَهَا"ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا!"وفِي رواية التِّرْمِذِيّ فَقَالَ لَهُ: «يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا، وَاللَّهِ لَا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا آخِرُ مَا عَلَيْكَ» "الخ (1) "وَكَانَ رَجُلًا لاَ بَأْسَ بِهِ"أَيْ حَسُنَ السُّمْعَةِ لا عيب فِي دِينِهِ أو خُلُقِهِ"وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ"أيْ تَرْغَبُ فِي العَوْدَةِ إليه، لأنَّهَا تُحِبُّهُ"فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} "، أي لا تمنعوهُنَّ من العودة إلى أزواجِهِنَّ عند انقضاء عِدَّتِهِنَّ."فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ» "."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: تَحْرِيمُ العَضْلِ، فلا يَجُوزُ لِوَلِيِّ المَرْأَةِ المُطَلَّقَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا من العَوْدَةِ إلى زَوْجِهَا بعد انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إذا طلب الزَّوْجُ عَوْدَتَها إليه، ورَغِبَتِ المَرْأَةُ فِي ذلك.
ثانيًا: أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكَاحُ المَرْأةِ سَوَاءٌ كانت بِكْرًَا أو ثَيِّبًَا إلا بِوَلِيٍّ، لأَنَّ أُخْت مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كانت ثَيِّبًَا، واحْتَاجَتْ فِي رُجُوعِهَا لِزَوْجِهَا إلى موافقة وَلِيِّهَا، ولو كان لَهَا أَمْرُ نِكَاحِهَا بدون وليها لزَوَّجَتْ نفسها دون حاجة إليه، وإِنَّمَا خاطب الله فِي الآية الأولياء بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ(2) أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) لأَنَّ أَمْرَ الزَّوَاجِ بِيَدِ الأَوْلِيَاءِ مع موافقة المرأة، قال الحافظ:"والآية أصلحُ دليلٍ على اعتبار الولي فِي النِّكَاحِ، وإلّا لما كان لعضله معنى، وقد وردت فِي ذلك أحاديث صَرِيحَة تَدُلُّ على تَوَقُّفِ النِّكَاحِ على وجود الوَليِّ، فقد روى أبُو مُوسَى عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ:"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" (3) ، وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ"أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وغيره (4) ."
قال الحافظ فِي"الفتح":"وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَصْلًا، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ أَقْوَاهَا هَذَا السَّبَبُ الْمَذْكُورُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أَصَرْحُ دَلِيلٍ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنًى. وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَخِيهَا وَمَنْ كَانَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ لَا يُقَال أَن غَيره مَنعه مِنْهُ وَذكر بن الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ أَنَّهَا:"إِنْ كَانَتْ غَيْرَ شَرِيفَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا". وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ:"إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْوَلِيُّ