الحديث: من أفراد البُخَارِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ البُخَارِيّ يَرْوِي بِسَنَدِهِ المتَّصِلِ"أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ:"إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ"أي عن نِكَاحِ المُتْعَةِ، وهو النِّكَاحُ المُؤَقَّتُ (1) بِأَنْ يَقُولَ لامْرَأَةٍ:"أَتَمَتَّعُ بِكِ لِمُدَّةِ كذا، فَيَتَزَوَّجُهَا لِمُدَّةِ عَشْرَةِ أيَّامٍ أو عِشْرِينَ يَوْمًَا مَثَلًا"."وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ"أي ونَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ كما جَاءَ فِي رواية أخرى للبخاري"وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ"؛"زَمَنَ خَيْبَرَ"أي وكان النَّهْي عن المُتْعَةِ والحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وقد اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهَا، ففِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أِنَّ المُتْعَةَ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، وفِي بَعْضِهَا حُرِّمَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وفِي بَعْضِهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفِي بَعْضِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وفِي بَعْضِهَا فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ. ولذلك ذهب بَعْضُهُم إلى إنْكَارِ بَعْضِ الرِّوايَاتِ حتَّى قال فِي"التمهيد لما فِي الموطأ":"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَعِظُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فِي فُتْيَاهُ فِي الْمُتْعَةِ وَيَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَتُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ خَيْبَرَ حِينَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَدْ بَانَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَعْمَرٍ وَيُونُسَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإِنَّ ذِكْرَ النَّهْيِ عَنِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ غَلَطٌ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ غَلَطِ ابْنِ شِهَابٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ حَرَّمَهَا أَيْضًا"اهـ (2) . وَقَالَ السُّهيْلي -كما ذكره العيني:"النَّهْي عَن الْمُتْعَة يَوْم خَيْبَر لَا يعرفهُ أحد من أهل السّير ورواة الْأَثر!". ولكن التَّحْقِيقُ فِي ذلك ما ذهب إليه الإِمام النَّوَوِيّ واختاره من الجمع بين هذه الرِّوَايَاتِ حيث قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:"وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ كَانَا مَرَّتَيْنِ وَكَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ خَيْبَرَ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ. ثُمَّ أُبِيحَتْ يوم فَتْحِ مَكَّةَ وهو يَوْم أَوْطَاسٍ لاتِّصَالِهِمَا؛ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"اهـ (3) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كان مُبَاحًَا مَشْرُوعًَا أَوَّل الإِسْلامِ ثُمَّ حُرِّمَ. أمَّا كيف كانت مشروعيته، وهل كان حُكْمًَا عَامًَّا أو خَاصًَّا فَقَدْ دَلَّتْ الأحَادِيثُ الصَّحِيْحَةُ على أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كان رُخْصَةً اسْتِثْنَائِيَّةً فِي حَالِ السَّفَرِ فقط. كما جاء فِي"السُّنن الكبرى للبيهقي": (من حديث قيس بن حزام قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ:"كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتَصِيَ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ"، زَادَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي رِوَايَتِهِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيّ ذَكَرَ