صَمْغٌ كَرِيهُ الرَّائِحَةِ، واتِّفَقَتْ معها على أنَّهُ إذا دَخَلَ على أَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُما تَقُولُ له ذلك، وهو مَعْنَى قَوْلِهَا:"فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ"أَيْ اتِّفَقْنَا مَعًَا"على أَيِّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ:"أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ! قَالَ: «لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ"أي أشم منك رائحة هذا الصمغ الكريه الرائحة"قال: لا"أي فلما دخل عليها، وقالت له: أكلت مغافير؟"قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش"،"فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ"على أِنْ لا أَشْرَبُه"لاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"أي فلا تُخْبِرِي بِهَذَا السِّرِّ أَحَدًَا. قال الرَّازي:"قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَلَا بِمَارِيَةَ فِي يَوْمِ عَائِشَةَ وَعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ، فَقَالَ لَهَا: اكْتُمِي عَلَيَّ وَقَدْ حَرَّمْتُ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِي وَأُبَشِّرُكِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْلِكَانِ بَعْدِي أَمْرَ أُمَّتِي، فَأَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةَ، وَكَانَتَا مُتَصَادِقَتَيْنِ، وَقِيلَ: خَلَا بِهَا فِي يَوْمِ حَفْصَةَ، فَأَرْضَاهَا بِذَلِكَ وَاسْتَكْتَمَهَا، فَلَمْ تَكْتُمْ فَطَلَّقَهَا وَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ، وَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِي بَيْتِ مَارِيَةَ" وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرِبَ عَسَلًا فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، فَقَالَتَا لَهُ: إِنَّا نَشُمُّ مِنْكَ رِيحَ الْمَغَافِيرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ التَّفَلَ فَحَرَّمَ الْعَسَلَ، فَمَعْنَاهُ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ مِنَ الْعَسَلِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَرِوَايَةُ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ"اهـ (1) .
وَنِسَاءُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ: عَائِشَةُ وحَفْصَةُ وسَوْدَةُ وصَفِيَّةُ فِي حِزْبٍ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وأُمُّ سَلَمَةَ والبَاقِيَاتُ فِي حِزْبٍ. قَالَ المُفَسِرُونَ: فَلَمَا حَلَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا يَشْرَبْ عَسَلًا عِنْدِ زَيْنَبَ ولا يعود إليه إِرْضَاءً لعَائِشَةَ وحَفْصَةَ، أنزل الله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ومعناها: أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَاتَبَهُ على تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ له، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: لِمْ تَمْتَنِعْ عن شُرْبِ العَسَلِ الذي أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ، تُرِيدُ من وَرَاءِ ذلك إِرْضَاءَ عَائِشَةَ وحَفْصَةَ؟ ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تَعْظِيمًَا لِشَأْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَنْبِيهًَا على عُلُّوِ مَكَانَتِهِ حيث جعل تَرْكَ الأَوْلَى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقَامِهِ الكَرِيمِ يُعَدُّ كَالذَّنْبِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ ذَنْبًا."قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ"أي شَرَعَ لكم كَفَّارَةَ اليَمِينِ لتتحللوا وتتخلصوا منها بِهَا، فَافْعَل مَا حَرََّمْتَهُ على نَفْسِكَ، وَكَفِّرْ عن يَمِينِكَ بِمَا شَرَعَ اللهُ من كَفَّارَةِ اليَمِينِ المذكورة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) إلخ" (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) "أيْ حَافِظَكُم ونَاصِرَكُم،" (وَهُوَ الْعَلِيمُ) "بِمَصَالِحِكُم" (الْحَكِيمُ) "فيما يشرعه لكم من الأحكام التي تتحقق بِهَا تلك المَصَالِحِ.