ولذلك لَمْ يوجب النِّيَّة فيهما، فإنْ نوى صَحَّ الوُضُوءُ والغسل وأثيْبَ عليهما وإنْ لَمْ يَنْو صَحَّ الوُضُوءُ والغُسْلِ، ولم يُثَبْ عليهما. فَالفَرْقُ بين من نوى ومن لَمْ يَنْو إِنَّمَا هو فِي الأجْرِ والثَّوَابِ، فهذا يؤجر، وذاك لا يؤجر، هذا هو قول أبِي حنيفة عن النِّيَّة فِي الوسائل.
والحاصِلُ: أنَّ النِّيَّة عند المالكية:"فَرْضٌ فِي الوُضُوءِ والغُسْلِ والتَّيَمُّم والصَّلاةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ، وركن فِي الحَجِّ"، وعند الشَّافِعِيَّة:"فَرْضٌ فِي الوُضُوءِ والغُسْلِ والصَّوْمِ وشرط فِي الزَّكَاةِ، وركن فِي التَّيَمُّم والصَّلاةِ والحَجِّ". وعند الحنابلة:"فَرْضٌ فِي الوُضُوءِ والغُسْلِ والتَّيَمُّمِ والصَّلاةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ، وركن فِي الحَجِّ". وعند الحنفية:"شَرْطٌ فِي التَّيَمُّمِ والصَّلاةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ، سُنَّةٌ فِي الوُضُوءِ والغُسْلِ" (5) .
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:"وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: تُشْتَرَطُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَة وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَة لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَمَلُ الْعَبْدِ بَلْ تَزُولُ بِالْمَطَرِ النَّازِلِ وَالنَّهْرِ الْجَارِي وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّة وَأَيْضًا فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَة مِنْ بَابِ التروك لَا مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ مُجْتَنِبٌ النَّجَاسَة صَحَّتْ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ مُجْتَنِبًا لَهَا. وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَوْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ"اهـ (6) .
ثانيًا: أَنَّ الأَعْمَالَ العَادِيَّة ِكالأكل والشُّرْبِ والنِّكَاحِ تتحول بِحُسْنِ النِّيَّةِ وقصد القربة والتَّقَوِّي على طاعة الله بإعْفَافِ النَّفْسِ، وَصِيَانتها عن المآثم إلى عِبَادَةٍ يُثَابُ عليها، كما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وكما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحديث القَادِمِ:"إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".
ثالثًا: أَنَّ من نَوَى عَمَلًا صَالِحًَا لَمْ يعمله لعُذْرٍ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كتب له أجر ذلك كما يَدُلُّ عليه عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
مطابقة الحديث للتَّرْجَمَةِ: أنَّهَا جُزْءٌ منه.
(1) هذا الحديث ذكره الإمام البُخَارِيّ فِي أول الكتاب، فِي باب بدء الْوَحْيّ، ولكن المؤلف حفظه الله تَعَالَى حذفه هناك، وذكره هنا بهذه الرِّوَايَة، وبِهذا اللفظ الذي جاء هنا، مع شرحه لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (ع) .
(2) أخرجه"الموطأ"برواية محمد بن الحسن.
(3) رسالة ابن تيمية فِي شرح حديث"إِنَّمَا الأعمال بالنيات": طبع دار الجيل، بيروت، ومكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.
(4) المصدر السابق.
(5) "فيض الإله"للشيخ محمد أحمد الداه الشنقيطي.
(6) رسالة ابن تيمية فِي شرح حديث"إِنَّمَا الأعمال بالنيات".