فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 2668

مأجور عليها بأجر المهاجرين، ولو مات فِي طريقه قبل الوُصُولِ إلى مَهْجَرِهِ كما قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ) ."وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا"أي ومن قصد بِهِجْرَتِهِ منفعة دنيوية وغرضًا شخصيًا من مال أو تجارة أو زوجة حسناء، أوْ وَجَاهَةٍ وسُمْعَةٍ، أو مَرْكَزٍ يَحْصُلُ عليه"أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"أي فلا ينال من هجرته إلاّ تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثَّوَاب. لأنَّه لا هجرة له شَرْعًَا، وإِنَّمَا هي رحلةٌ عاديةٌ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أنَّ العبادات تتوقف صحتها على النِّيَّةِ، سَوَاءٌ كانت مقاصد أو وسائل، وهو مذهب الجمهور، وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ إلى تَخْصِيصِ النِّيَّةِ بِالمَقَاصِدِ فهي التي تَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ، أمَّا الوَسَائِلُ كالوُضُوءِ والغُسْلِ فَإنَّهُ لا تتوقف صحته على النِّيَّةِ. قال شيخ الإِسْلام ابن تيمية فِي شرح هذا الحديث:"وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَقْصُودَةَ لِنَفْسِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ وَتَنَازَعُوا فِي الطَّهَارَةِ مِثْلَ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَيَنْسَاهَا وَيَغْتَسِلُ لِلنَّظَافَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: النِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُشْتَرَطُ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تُشْتَرَطُ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا"اهـ (3) . والذين يوجبون النِّيَّةَ فِي طهارة الأحداث يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الحديث على أبِي حنيفة.

قال ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ:"وَأَبُو حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أَنَّ الطَّهَارَةَ غَيْرَ الْمَنْوِيَّةِ لَيْسَتْ عِبَادَةً وَلَا ثَوَابَ فِيهَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهَا فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ إلَّا إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ مُقَدِّمَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عِبَادَةً؛ وَالْعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ. وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ إذَا سَلِمَتْ لَمْ تَحْتَجْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ؛ بِخِلَافِ مَا يَقَعُ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ كَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ. وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ مَدَارُهَا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ هَلْ يَقَعُ غَيْرَ عِبَادَةٍ؟"

وَالْجُمْهُورُ يَحْتَجُّونَ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ثَوَابِهِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ"أخرجه مسلم؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: فَفِيهِ الثَّوَابُ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النِّيَّة فَالْوُضُوءُ لَا يَكُونُ إلَّا بِنِيَّةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الطَّهَارَةُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّة كَاللِّبَاسِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَة؛ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: اللِّبَاسُ وَالْإِزَالَةُ يَقَعَانِ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ. وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِثَوَابِ الْإِنْسَانِ عَلَى جِنْسِ اللِّبَاسِ وَالْإِزَالَة؛ ِ وَقَدْ وَرَدَتْ النُّصُوصُ بِالثَّوَابِ عَلَى جِنْسِ الْوُضُوءِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: النُّصُوصُ وَرَدَتْ بِالثَّوَابِ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُعْتَادِ، وَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا يَتَوَضَّئُونَ بِالنِّيَّة وَالْوُضُوءُ الْخَالِي عَنْ النِّيَّة نَادِرٌ لَا يَقَعُ إلَّا لِمِثْلِ مَنْ أَرَادَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ الَّذِي اعْتَادَهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيّ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ وَمَا سِوَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ"اهـ (4) . والحَاصِلُ: أَنَّ الجُمْهُورَ يَرَوْنَ أنَّ الوُضُوءَ والغُسْلَ"لا يقعان إلاّ عبادة يثاب عليهما كَسَائِرِ العبادات بِخِلافِ أبِي حنيفة، فَإنَّهُ يرى أنّهما يقعان عبادة وغير عبادة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت