مرةً: لا بَأسَ بِه. مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ، حديثه في الكتب الستة". وَقَال أَبُو عُبَيد الآجري، عَن أبي دَاوُد:"ثِقَةٌ"."
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ اليَهُودِ بالمَدِينَةِ كانوا يقرؤون على المُسْلِمين بَعْضَ نُصُوصِ التَّوْرَاةِ، ويُتَرْجِمُونَهَا لَهُم إلى العَرَبِيَّةِ، ولعل ذلك أُسْلُوبٌ من أَسَالِيبِ التَّبْشِيرِ بالدِّينِ اليَهُودِي فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقِفُوا من ذلك مَوْقِفَ الحَيْطَةِ والحَذَرِ، فلا يُصَدِّقُونَهُم فيه ويأخذونه منهم قَضِيَّةً مُسَلَّمَةُ لأَنَّ التَّوْرَاةَ قد أدخل عليها الكثير مِمَّا ليس فيها؛ ولا يُكَذِّبُونَهُم فيه لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ من بَقِيَّةِ الْوَحْيِّ السَّمَاوِيِّ الذي أُنْزِلَ على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ"لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ. هذا إذا لم يكن مُخَالِفًَا للقُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ، وإلا فإنَّهُ فِي هذه الحَالَةِ يُرْفَضُ تَمَامًَا، لأنَّهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ. أو كان مُوَافِقًَا لَهُمَا مُوَافَقَةً صَرِيحَةً، فإنَّهُ يُقْبَلُ ويُصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمونَ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ التَّوْرَاةَ التي كانت على عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتي هي موجودة فِي زَمَانِنَا هذا، والنُّصُوصُ والأخْبَارُ التي فيها ليست كُلَّهَا صَحِيحَةً مُنَزَّلَةً من عند اللهِ تَعَالَى، لأنَّهَا لَمْ تَبْقَ على حَالَتِهَا الأَصْلِيَّةِ التي كانت عليها عندما أُنْزِلَتْ على مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كما أنَّها ليست كلها بَاطِلَة، لأَنَّ فيها بَقَايَا صَحِيحَةٍ مِمَّا أُنْزِلَ على مُوسَى. ونَحْنُ معاشر المُسْلِمِينَ نقف منها موقف الحَقِّ والعَدْلِ والإنْصَافِ، فأمَّا ما وَافَقَ القُرْآنَ فهو حَقٌّ لا شَكَّ فيه، وهو من الْوَحْيّ الذي أُنْزِلَ على مُوسَى، وقدْ أوْجَبَ اللهُ علينا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنْ نؤمن به، وأمَّا ما خَالَفَ القُرْآنَ فهو بَاطِلٌ. وأمّا مَا لَمْ يُخَالِفْ ولَمْ يُوافِقْ فَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ.
ثانيًا: قال فِي"عمدة القاري":"وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث أَصْلٌ فِي وُجُوبِ التَّوَقُّفِ عَمَّا يُشْكِلُ مِنَ الْأُمُورِ فَلَا يُقْضِي عَلَيْهِ بِصِحَّةِ أَو بُطْلَان وَلَا بِتَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ، وَقد أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بالكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ على الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، إلاَّ أَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى أَنْ نَعْلَم صَحِيحَ مَا يَحْكُونَهُ عَن تِلْكَ الكُتُبِ من سَقِيمِهِ، فَنَتَوَقَّفُ فَلَا نُصَدِّقُهُم لِئَلَّا نَكُون شُرَكَاءَ مَعَهم فِيمَا حَرَّفُوهُ مِنْهُ، وَلَا نُكَذِّبُهُم فَلَعَلَّهُ يكون صَحِيحًَا فنكون مُنْكِرِينَ لِمَا أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ، وعَلى هَذَا كَانَ يَتَوَقَّفُ السَّلَفُ عَن بعض مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِم وتعليقهم القَوْل فِيهِ كَمَا سُئِلَ عُثْمَان رَضِيَ اللهُ عَنهُ،"عَنِ