القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»"ومعنى تعليمه إيَّاهَا أنَّهُ يُخْبِرُهُ بأنَّهَا سُورَةُ كذا."فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: «أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً ... إلخ"أيْ فَلَمَّا أَرَادَ الخُرُوجَ ذَكَّرْتُهُ بِالوَعْدِ الذي وَعَدَنِي به"قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) "يعني أَنَّ السُّورَةَ التي هي أَفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ وأعْظَمِهَا شَأْنًَا، هي سُورَةُ الفَاتِحَةِ"هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ"أي وهي السُّورَةُ العَظِيمَةُ التي قَالَ اللهُ تَعَالَى عنها: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فَسَمَّاهَا بالسَّبْعِ المَثَانِي، لأنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ تَتَكَرَّرُ قِرَاءَتَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وفِي كُلِّ صَلاةٍ، وسَمَّاهَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لاشْتِمَالِهَا على وَجَازَتِهَا وقِلَّةِ ألْفَاظِهَا على أَهَمِ مَقَاصِدِ القُرْآنِ الكَرِيمِ من: إثبات التَّوْحِيدِ، والنُّبُّوَةِ، والمَعَادِ، والعِبَادَةِ المُتَضَمِّنَةِ لأَرْكَانِ الإِسْلامِ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: وُجُوبُ إِجَابَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى فِي الصَّلاةِ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأبِي سَعِيدٍ لَمَّا لَمْ يُجِبْهُ وهو فِي الصَّلاةِ:"أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) "فَدَلَّ ذلك على أَنَّ إِجَابَتِهِ واجبة فِي جَمِيعِ الأحوال، لأَنَّ إِجَابَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاةِ حُكْمٌ اسْتِثنائيٌ خاصٌ به. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُصَلِّي دُعَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا؛ سَوَاءَ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ. أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ فَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُجِيبُ مِنَ الصَّلَاةِ وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعُمُّ حَتَّى تَجِبَ إِجَابَتُهُ إِذا سَأَلَ فِيهِ بحث وَقد جزم بن حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَةَ الصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ"اهـ (3) .
ثانيًا: أنَّ للفاتحة أسماء كثيرة قال النووي:"لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَكَاهَا الْإِمَامُ أبو اسحق الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ: (أَحَدُهَا) فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. قَالُوا: سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا الْمُصْحَفُ وَالتَّعَلُّمُ وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالْحَمْدِ الَّذِي يُفْتَتَحُ بِهِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ."
(الثَّانِي) سُورَةُ الْحَمْدِ لِأَنَّ فِيهَا الْحَمْدَ.
(الثَّالِثُ) وَ (الرَّابِعُ) أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَنَّ مَكَّةَ أُمُّ الْقُرَى.
(الْخَامِسُ) الصَّلَاةُ لقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي"وَهُوَ صَحِيحٌ.
(السَّادِسُ) السَّبْعُ المَثَانِي الْمَثَانِي لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ