معًا. وهذا يَدُلُّ على أنَّهما فِي الأصل اسْمَانِ لِحَقيقةٍ وَاحِدَةٍ كما ذهب إليه البُخَارِيّ. ويرى ابن حجر فِي ذلك رأيًا وَسَطًَا حيث يَقُولُ:"وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً كَمَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ بِمَعْنَى التَّكْمِيلِ لَهُ فَكَمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ فَكَذَلِكَ الْمُعْتَقِدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا عَمِلَ وَحَيْثُ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْعَكْسِ أَوْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِالسِّيَاقِ. فَإِنْ وَرَدَا مَعًا فِي مَقَامِ السُّؤَالِ حُمِلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ لَمْ يَرِدَا مَعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِ سُؤَالٍ أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَرَائِنِ؛ وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ"اهـ (2) .
خامسًا: أَنَّ وَقْتَ قِيامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ غَيْبِيٌّ اخْتَصَّ اللهُ بعلمه دون سِوَاهُ. أمَّا أَمَارَاتُ السَّاعَةِ فإنَّها: قسمان صغرى، وقد ذكر بعضها فِي هذا الحديث، وكبرى كالمهدي، والدَّجَّال، ونزول عِيْسَى، وقد ذُكِرَتْ فِي أحاديث أخرى.
سَادِسًَا: من آداب العلماء أنْ لا يُجِيبَ العَالِمُ عَمَّا لا يعرفه، وأَنْ يقول: لا أَدْرِي، لأَنَّ العِلْمَ أمَانَةٌ ومَسْئُولِيَّةٌ، وليس التَّوَقُّف عن الإِجَابَةِ نَقِيصَةٌ للعَالِمِ، بل هو فَضِيلَةٌ؛ فيه اقْتِدَاءٌ بِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قَالَ:"مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". قال الحافظ:"إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ أَيْ أَنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِيمَا لَا يُعْلَمُ قِسْمٌ مِنَ التَّكَلُّف"اهـ (3) .
سابعًا: التَّرْغِيبُ فِي السُّؤالِ عَمَّا ينفع فِي الدُّنْيَا والآخرة، وتَرْكِ السُّؤال عما لا فائدة فيه. قال الحافظ:"قَالَ بن الْمُنِيرِ فِي قَوْلِهِ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ الْحَسَنَ يُسَمَّى عِلْمًا وَتَعْلِيمًا لِأَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ سِوَى السُّؤَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَمَّاهُ مُعَلِّمًا وَقَدِ اشْتَهَرَ قَوْلُهُمْ حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ انْبَنَتْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَعًا"اهـ (4) .
ثامنًا: قال الحافظ: (قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:"هَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أُمُّ السُّنَّةِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ جُمَلِ عِلْمِ السُّنَّةِ". وَقَالَ الطِّيبِيُّ:"لِهَذِهِ النُّكْتَةِ اسْتَفْتَحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ كِتَابيه"المصابيح"وَ"شرح السُّنَّةِ"؛ اقْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ فِي افْتِتَاحِهِ بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ عُلُومَ الْقُرْآنِ إِجْمَالًا". وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:"اشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمِيعِ وَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مِنْ عُقُودِ الْإِيمَانِ ابْتِدَاءً وَحَالًا وَمَآلًا وَمِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَمِنْ إِخْلَاصِ السَّرَائِرِ وَالتَّحَفُّظِ مِنْ آفَاتِ الْأَعْمَالِ؛ حَتَّى إِنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَمُتَشَعِّبَةٌ مِنْهُ") اهـ (5) .
والمطابقة: فِي قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ:"مَا الإِيمَانُ؟ مَا الإِسْلاَمُ؟ مَا الإِحْسَانُ؟".
(1) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِلَخْ) ج 1 ص 115.
(2) المصدر السابق.
(3) "فتح الباري": (قَوْلُهُ سُورَةُ الرُّومِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ج 8 ص 512.